الإثنين 25 مارس 2019 م - ١٨ رجب ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / تسلل ترامب في زيارته للعراق

تسلل ترامب في زيارته للعراق

د. فايز رشيد

زيارة الرئيس ترامب للعراق الشقيق لا يمكن وصفها إلا بالزيارة التسللية، وهي لا تليق برئيس دولة عظمى، ولا يقبل حتى رئيس دولة صغيرة أن يمارسها بطريقة ترامب، فهي إن دلّت على شيء فإنما عن استهانة بهذا البلد العربي، وفيها خرق فاضح للأعراف الدبلوماسية بين الدول، وهي انتهاك صارخ لسيادة العراق، الذي ذاق ويلات وعذابات الاحتلال الأميركي منذ عام 2003م، وصور التعذيب الوحشي والمعاملة الوحشية التي التقطت في سجن “أبو غريب” للسجناء العراقيين وهم يعذبون بفاشية منقطعة النظير من قبل المجندات والجنود المحتلين كما كلابهم المفترسة. ما زالت ماثلة للعيان. ليس مقبولا من الرئيس ترامب إعلام السلطات العراقية قبل وقت قصير من وصوله إلى قاعدة “عين الأسد” العسكرية الأميركية في العراق، وهي أولا وأخيرا أرض عربية عراقية. وهذا ما يكذب الادعاء الأميركي بالانسحاب التام من العراق.
من المعيب أيضا أن يمتنع ترامب عن الاجتماع بأي من الرئاسات العراقية الثلاث في أماكنهم، وحصر مطلق لقاء مع أي منهم إلا في القاعدة الأميركية فقط، في استهتار واضح بالمسؤولين العراقيين، وكأن أرض القواعد هي أرض أميركية، بما يمثل ذلك من عنجهية وصلف لمستعمر محتل لأرض ليست من حقه! فهل بإمكان الرئيس ترامب أن يمارس ذات الممارسة في زيارة قاعدة أميركية في إسرائيل؟ مهما تذرع بأسباب السرية والحرص على أمنه الشخصي! وهل المخابرات والجيش الأعظم في العالم غير قادرين على تأمين حياته؟ غريب هذا المنطق الترامبي! أم أن ما فعله الرئيس ترامب هو أمر مقصود؟ أي أنه أراد أن تتم زيارته كسيد أميركي يقدم له رؤساء الدول آيات الولاء والطاعة! أم أنه ما زال ماثلا أمامه منظر العراقي منتظر الزيدي الذي ضرب الرئيس جورج بوش الأبن بالحذاء أثناء مؤتمره الصحفي في بغداد، وخشي أن يتكرر ذات المشهد؟
وكان هناك استغراب شديد من قبل كافة المسؤولين العراقيين وكافة الأطياف السياسية، كما أبناء الشعب العراقي، لدبلوماسية بيان الحكومة التي بررت عدم عقد لقاء بين رئيس الوزراء عادل عبد المهدي والرئيس الأميركي بـ”تباين في وجهات النظر لتنظيم اللقاء”، واقتصر الأمر على محادثة هاتفية. وكان من المفترض كتابة السبب الحقيقي في البيان، وهو أن ترامب رفض مقابلة رئيس الوزراء في بغداد مصرا على عقد الاجتماع في القاعدة الأميركية. رغم محاولة الحكومة العراقية سوق تبريرات غاية في الدبلوماسية للملابسات التي رافقت زيارة دونالد ترامب، إلا أن بيانها الذي اتسم بالطابع البروتوكولي بين الدول لم يمنع استمرار خروج المواقف المنددة والرافضة للزيارة. مع ذلك، يمكن القول إن الرواية الرسمية حملت بعضا من حقيقة الزيارة التي يبدو أنها ستدفع نحو التسريع في إقرار مشروع القانون الداعي إلى إخراج القوات الأجنبية من العراق. لذلك، سارع المشرعون العراقيون إلى الدفع بمشروع القانون إلى محطاته الدستورية، فسيتم طرحه قريبا في لجنة الأمن والدفاع البرلمانية بهدف الانتهاء من صياغته، باعتبار أن زيارة ترامب وفقا للناطق باسم مجلس النواب “ستؤثر على الصيغة النهائية لناحية إضافة مواد محددة”. مضيفا أن “المشروع، في حال تم إقراره، سيكون فوق الجميع ولا يحق لأحد تجاوزه”، معربا عن اعتقاده بأن “الأميركيين سيستخدمون أوراق الضغط لتغيير مواد القانون لا لعدم تنفيذه”. مشيرا إلى أن “موقفنا من بناء القواعد الأميركية ثابت ولا يتغير، وهو رفض وجود أي قواعد عسكرية لأي قوات أجنبية، ولذلك سنعمل على تشريع القوانين التي تمنع أي طرف من السماح بمثل هذه المخالفة القانونية”. مشددا على أن “التعامل مع قضية الوجود الأميركي يجب أن يكون وفق الدستور والسيادة الوطنية، ومن خلال استخدام القانون والتشريعات، وذلك سيقلل من تداعيات الخروج الأميركي على الواقع العراقي الذي لا يزال هشا من الناحيتين السياسية والاقتصادية”. اللافت في زيارة ترامب، أنه يريد استعمال العراق منطلقا للعدوان على سوريا وإيران، وهذا ما رفضه المسؤولون العراقيون جملة وتفصيلا.
ترامب من جهته، عبر عن امتعاضه من رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي، الذي حدد شروطه للقاء ترامب بـ: أن يكون اللقاء الثنائي في العاصمة بغداد. وأن يكون وفق البروتوكول العراقي، أي باستعراض القوى العسكرية العراقية فقط، ورفع العلم الوطني العراقي، على غرار الاستقبال السابق لرئيس الوزراء الاسترالي قبل أيام. وأن يكون التصريح عراقيا فقط، ولا يتطرق الجانب الأميركي إلى الحديث عن العقوبات الأميركية على إيران، ووصف العراق بأنه جزء من هذه المنظومة. ترامب عبر عن امتعاضه من العراق بالقول إنه “من المحزن جدا عندما تنفق 7 تريليونات دولار في الشرق الأوسط، ثم يتطلب الذهاب إلى هناك كل هذه السرية الهائلة والطائرات حولك، وأعظم المعدات في العالم”. أرأيتم طريقة تفكير المستعمرين؟.

إلى الأعلى