الجمعة 21 يوليو 2017 م - ٢٦ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الأمن القومي للدول يبدأ من الداخل الوطني

الأمن القومي للدول يبدأ من الداخل الوطني

محمد بن سعيد الفطيسي

إن المناعة الوطنية وارتفاع وعي المواطنين بالتهديدات الخارجية هو أبرز أشكال المناعة الداخلية الوطنية من اختراقات الأعداء، سواء كانوا دولا أو تنظيمات ومنظمات أو أفرادا, ما يعني أن ضعف المناعة الداخلية وهشاشة اللحمة الوطنية يشكل الخطر الأكبر والتهديد الأشد لأي أمة وطنية، فأغلب الاختراقات الخارجية للأمن القومي تم التمهيد لها من الداخل وليس من خلال الاحتلال العسكري المباشر.

نحاول في هذا الطرح إيصال رسالة إلى الأجهزة الأمنية والاستخباراتية العربية مفادها: إن المحافظة على الأمن القومي لدولهم من شتى أنواع الإرهاب وأشكال الفتن والقلاقل التي يمكن أن تنقل الدول والأوطان من الأمن إلى الخوف، ومن الاستقرار إلى الفوضى، تبدأ من الداخل الوطني وليس من الخارج, وأن الخطر الحقيقي الذي يهدد الأمن القومي لأي أمة وطنية في الألفية الثالثة ينطلق من وجهة نظرنا من فجوة الاستقرار وهشاشة الداخل الوطني والحالة النفسية للمواطن وليس من مؤامرات الأعداء في الخارج, وبمعنى آخر, أن توطيد أمن الدول من أعداء الخارج ومؤامراتهم يبدأ من الداخل وليس من الخارج, وما أعنيه بالخارج هنا هو كل الدول أو الأفراد أو التنظيمات العابرة للقارات والتي تسعى لبث النزاعات والفتن والفوضى في بعض الدول بهدف اختراقها ومن ثم احتلالها، سواء كان ذلك بالاحتلال العسكري المباشر أو من خلال التمهيد الأيديولوجي.
وبكل تأكيد فإننا لا نعني بذلك التقليل من حقيقة اتساع دائرة المؤامرات ومحاولات اختراق الدول, أو تهميش أهمية الأجهزة الاستخباراتية الخارجية للدول, فلهذه الأخيرة أهمية بالغة جدا تكمن في توفير المعلومات والمعرفة (التي يجب أن تتوافر لدى كبار المسؤولين من المدنيين والعسكريين، حتى يمكنهم العمل لتأمين سلامة الأمن القومي, وورد في قاموس المصطلحات الأميركية أن الاستخبارات هي: نتيجة جمع وتقييم وتحليل وإيضاح وتفسير كل ما يمكن الحصول عليه من معلومات عن أي نواحي دولة أجنبية، أو لمناطق العمليات التي تكون لازمة لزوماً مباشراً للتخطيط السليم والذي يتوقف إلى حد كبير على معرفة نوايا العدو وأسراره، وأن الاستخبارات هي التي تمد القائد بالأسس التي يبني عليها قراراته).
وهناك تعاريف كثيرة لمفهوم الأمن القومي, ينصب أغلبها حول حماية الأمن من خطر القهر والاختراق على يد قوة أجنبية, وقدرة الدولة على حماية قيمها ومنجزاتها وثرواتها الداخلية من التهديدات الخارجية, عليه فإن الأمن القومي هو الجانب الأمني الذي يحاول حماية الداخل الوطني من التهديدات التي تنطلق من الخارج وهو العمل الأصلي الذي تقوم به أجهزة الاستخبارات الخارجية, كما سبق ووضحنا, وهو ما يفترض أن يفصل في تعريف مفهوم وأهداف الأجهزة الأمنية الاستخباراتية في الداخل والخارج.
وتعمل بعض الدول التي أدركت أهمية تكامل الجانبين على أساس النظرية التكاملية في المحافظة على الأمن القومي, والتي تؤكد على أن مفهوم الأمن القومي مترابط بحيث لا يمكن أن تعمل الأجهزة الاستخباراتية الخارجية في هدفها الأصلي الكامن في المحافظة على الأمن الوطني بمعزل عن أجهزة الأمن الداخلية وخصوصا في الجانب الاستراتيجي الوقائي, بينما وللأسف الشديد نجد تيارا قياديا آخر يفصل من حيث لا يعلم بين ضرورة ارتباط وأهمية تكامل الأمن القومي بالأمن الداخلي للأمة من حيث العمل الميداني وحتى النظريات الأمنية, بينما تثبت الوقائع التاريخية أن توطيد الأمن القومي للدول أي حمايتها من أعدائها في الخارج لا يمكن أن يتحقق أبدا في ظل وجود داخل أكثر هشاشة وضعف ضد الاختراقات الخارجية, وهو ما نؤكد عليه في هذه المقالة.
بناء على ما سبق, فإننا نعود للتأكيد على النقاط الآتية في جانب توطيد الأمن القومي والاستقرار للأمة الوطنية: أولا: إن للأمن الداخلي للأمة الوطنية أولوية مهنية واستراتيجية مقدمة على أمنها القومي الخارجي من حيث ضرورة الاهتمام وتركيز الجهود البشرية والمادية. ثانيا: إن الأمن الاستراتيجي القومي من حيث الجانب الوقائي للأمة والذي يقع في أعلى سلم أشكال الأمن الوطني الحديث يبدأ من الداخل وليس من الخارج. ثالثا: حماية الدول من الاختراقات الخارجية لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال قوة الداخل الوطني وترابط نسيجه الاجتماعي وتعاون المواطنين والحكومات معا على تحقيق أمنهم وأمن وطنهم. رابعا: إن المناعة الوطنية وارتفاع وعي المواطنين بالتهديدات الخارجية هو أبرز أشكال المناعة الداخلية الوطنية من اختراقات الأعداء، سواء كانوا دولا أو تنظيمات ومنظمات أو أفرادا, ما يعني أن ضعف المناعة الداخلية وهشاشة اللحمة الوطنية يشكل الخطر الأكبر والتهديد الأشد لأي أمة وطنية، فأغلب الاختراقات الخارجية للأمن القومي تم التمهيد لها من الداخل وليس من خلال الاحتلال العسكري المباشر, ومن هنا تكمن أهمية أجهزة الأمن الداخلية وطرق معالجتها لأشكال التهديدات المقوضة للأمن الوطني الشامل.
إذا مخطئ من يعتقد أن حماية الدول وتحقيق أمنها القومي في الألفية الثالثة من الاختراقات الخارجية يتحقق بشكل علمي ومهني صحيح من خلال التركيز على حمايتها من تهديدات الدول الأعداء لها أو المنظمات الإرهابية التي تحاول تقويض أمنها واستقرارها أو معارضي أنظمتها السياسية في الخارج, بل يكمن في مناعتها الداخلية ومدى الوعي السياسي لمواطنيها على فهم ما يحيط بهم في الداخل والخارج من مؤامرات, وعلى مدى قدرة النظام السياسي الحاكم على توسيع دائرة قيم الترابط الداخلي والتي تعني بشكل مختصر “العدل والمساواة والتقارب ما بين الحاكم والمحكوم وتوطيد أركان دولة القانون” وغير ذلك, ومن خلال تحقيق مبادئ الوحدة الوطنية بنبذ كل أشكال الفرقة والتشرذم والتميز، سواء كان التميز بناء على معايير الطائفة أو اللون أو الجنس أو غيرها من أشكال التمييز ما بين المواطنين, وكذلك من خلال ضرورة إشراك المواطن في اختيار مستقبل وطنه السياسي والاقتصادي بمشاركته في اتخاذ القرارات وتحمل مسؤوليتها المستقبلية.
أمر مهم آخر وليس أخيرا يجب التنبيه إليه في هذا السياق، وهو أن توجيه مسار خريطة العمل الأمني الداخلي على توطيد ثقة المواطن بالنظام الحاكم, وبحكومته ومؤسسات دولته, وبإثبات على أرض الواقع من خلال العمل وليس القول والدعاية الفارغة من الحقيقة على أن الحكومة تعمل معه ومن أجله, واضحة وشفافة في إعداد الخطط السنوية والمرئيات الوطنية المستقبلية التي تعنى بتنمية المواطن وتحقيق الاستقرار الإنساني له, وقادرة على أن تكون من خلال المسؤولين الذين يعملون من أجل المواطنين على إثبات أهلية تلك الثقة الوطنية بهم وعلى أنهم قدوة صالحة لإخوتهم في الوطن ومثال للضمير الحي والأمانة والإخلاص الوطني, هو وحده ما يستطيع تحقيق وتعزيز الجانب الوقائي والمناعي للأمن الداخلي وبالتالي الأمن القومي.
من جهة أخرى, من الخطأ الجسيم إهمال أو سوء التنسيق والترابط الأمني في جوانب العمل الداخلي بالجانب القومي في قضايا يعتقد الكثير من قادة العمل الاستخباراتي أنها لا تدخل في جانب الأمن القومي لأنها ترتبط بمؤسسات خدمية حكومية مدنية, أو بالمؤسسة الأمنية الداخلية وليس بالمؤسسة الاستخباراتية الخارجية كجوانب الخدمات التي تقدمها الدوائر الحكومية المدنية للمواطنين أو سوء تقديمها لتلك الخدمات والتقصير بها, مما يؤدي مع الوقت إلى تقويض جانب المناعة الداخلية وبالتالي عدم جدوى العمل القومي والاستخباراتي الخارجي, والذي أشبهه بالعمل على حماية جسد ضعفت مناعته الداخلية فأصبح غير قادر أصلا على حماية نفسه من المهددات الخارجية ولو امتلك المعلومات الكافية التي توفرت له عن أعدائه الخارجيين.
بناء عليه فإنه لا يجب الاستهانة أبدا بتأثير امتعاض وسخط المواطنين في الداخل من سوء الخدمات الحكومية والتقصير في حق المواطنين والفساد الداخلي او باستفحال التميز الطائفي أو العرقي أو انتشار القبلية السياسية على الأمن القومي الخارجي لأي وطن, كما لا يجب إهمال تأثير أصغر مسببات الاختناق الوطني الداخلي، سواء كان سياسيا أو اقتصاديا أو اجتماعيا, أو جراء فقدان الثقة في الحكومة أو النظام الحاكم على الأمن القومي الخارجي، حيث ومن تلك المسامات الصغيرة التي يهملها الكثير من قادتنا السياسيين والأمنيين للأسف الشديد تضعف المناعة الوطنية الداخلية ما يسهل تدميرها بيد أبنائها في الداخل, أو من خلال التمهيد والتسهيل لاختراقها من الخارج على يد الساخطين والممتعضين أو الذين يشعرون بالظلم والتقصير والتميز في حقوقهم من أبنائها, أو الخونة والعملاء المتاجرين بأوطانهم وثرواتها ومنجزاتها.
* نقلا عن كتابنا: الدولة المطمئنة في الألفية الثالثة ـ ثنائية صناعة الأمن الوطني في زمن الفوضى الخلاقة ـ.

إلى الأعلى