الخميس 22 أغسطس 2019 م - ٢٠ ذي الحجة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن: الـسـلـوك الإسـلامي وأثـره في النفـس (4)

شـذرات مـن هـدي القـرآن: الـسـلـوك الإسـلامي وأثـره في النفـس (4)

ناصر بن محمد الزيدي:
الحـمد لله رب العـالـمين والصـلاة والسلام عـلى سـيـد الـمـرسـلين، وخاتم النـبيين وإمـام الـمتـقـين، وحجـة الله رب العـالـمين، وعـلى آلـه وأصـحابه أجـمعـين، وعـلى التابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الــدين وبـعـد:
فـلا زال الـحـيث مـوصـولاً عـن الـسـلـوك الإسـلامي وأثـره في الـنـفـس: قال رسـول الله )صـلى الله عـلـيه وسـلم(:(عـجـب الله مـن أقـوام يـقـادون إلى الجـنـة بالـسلاسـل) رواه الـبخاري.
ومـن الـمـهـم أن نـعـلـم أن سـلاسل الارغـام والـقـهـر لـيسـت محـصـورة في الأحـكام الـقـسـرية التي يـوجـبها الله عـلى عـبـاده، بـل قـد تـتـمـثـل في ابـتـلاءات ومصائب تسـوق أصـحـابهـا إلى طـاعـة الله، وإلى عـاقـبة مـن الـسـعـادة والخـير، ما كان لـهم أن يـصـلـوا إلـيها أو ان يتـجـهـوا إلـيهـا لـو لـم تـقـدهـم إلـيها سـياط تـلك الابـتلاءات، ولـيـس فـيـنا مـن لا يــذكـر في حـياته نـماذج، لـهـذا الـنـوع مـن الابــلاءات.
فـكـم مـن أناس غـرتهـم صـحـتهـم، وأمـوالـهـم فـسـعـوا في الأرض فـسـاداً، ولـم يشـكـروا الـواحـد الأحـد، الـذي خـولـهـم الـصحـة والـمال والـولـد، فـهـو الـذي قـال وقـوله الحـق:(وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ ..) (الآنـعـام ـ 94).
ولـقـد كانت غــزوة بــدر الكـبرى التي اسـتـدرج لـها الـمسـلـمـون مـن حـيـث لايـريـدون، مـثـلاً بـارزاً لـهــذه الـسـلاسـل التي تحـدث عـنها رسـول الله (صلى الله عـلـيه وسـلـم)، فـلـقـد أفـلـت مـن أيــدي الـصحابة الـذين خـرجـوا مـع رسـول الله الـعـير الـذي كانـوا يـودون الحـصـول عـليه، وطـلـع عـلـيهـم في مـكان الـعـير الـنـفـير الـكـبـير الـمـدجـج بأسـلـحة لا قـبـل لـهـم بـها، نـظـراً لـتـلك الـقـلـة مـن الـصحـابة، وتصـيـدهـم هـذا الـواقـع الـذي اخـتـاره الله لهـم فـفاجـأهـم به، فـسيـقـوا إلى الـعـامل مـعـه سـوقا وكان خـيرا لـهـم، وقـد حـيـل بـينـهـم وما خـرجـوا مـن أجـله للحـصـول عـلـيه مـن مـغـانـم الـعـير، التي هـي أقـل صـعـوبة في الـوصـول إلـيها والـتـغـلـب عـليـها، ولـما انـتصـروا بـعـون الله وفـضـله، أدركـوا فـضـل الخـيرة الـربانيـة لــهـم، فالله أراد أن يـحـق الحـق ويـبـطـل الـباطـل ولـو كـره الـمـشـركـون.
ولـكـن فـماذا كانـت عـاقـبة هــذا الـذي سـاقـهـم الله إلـيه؟، كانت عـاقـبة ذلك نـصـراً فـريـداً مـن نـوعـه تـسـلـسـلت وتـفـرعـت عـنه انـتصارات الـمسـلـمـين في سـائـر الـغـزوات التي تـلـتها ، وثـماراً مـن الـمغـانـم بـلـغـت أضـعـاف ما كانـوا يـؤمـلـونه مـن الحـصـول عـلى الـعـيـر، وصـدق الله الـقـائـل:(وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّـهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّـهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ) (الأنـفال ـ 7).
ولـكـن فـمـا الـعـبرة التي ينـبغـي أن تـرقـى إلـيها مـداركـنا في هـذا، إذا اتضح مـا قـلـناه في مـعـنى هـذه الحـكـمة، فـإن مـن أهـم ما يـترتـب عـلى إدراكنا لـهـا، أن نـنـقـاد إلى تـنـفـيـذ الـواجـبات التي كـلـفـنا الله بها، نـقـبـل إلـيها بـدافـع الـيـقـين بأنـنا، إنـما نـعـثـر مـن خـلال ذلك عـلى مـصالحـنا، ونحـقـق بـه أسـباب سـعـادتنا وأن مـرد كل مـا يـلـزمـنا الله بـه مـن واجـبات يـرغـمنا عـلى تـنـفـيـذها، ومحـرمات يـحـذرنا مـن الـوقـوع فـيها، بـل حـتى الـدنـو مـنهـا إلى أن نضـمـن لأنـفـسنا سـعـادة الـعـاجـلة والـعـقـبى في حـياتـنا الآجـلـة.
وعـنـدئـذٍ يخـجـل أحـدنا، مـن أن يـجـد نـفـسه يسـعى بإرشـاد مـن الله إلى ما به صـلاحـه، ويـنـقـاد مـن خـلال هــدي الله وتـعـالـيمه إلى مـا فـيه سـعـادتـه ورغـد عـيشـه وطـمأنيـة نـفـسه، ثـم يـطـلـب مـنه مـع ذلك أجـراً عـلى اسـتجابته لـهـديـه، ومـثـوبـته عـلى قـبـولـه لـنـصحـه.
ولـقـد أوضـحـت لك هـذا الـمـعـنى ـ أيـها الـقـارئ الـكـريـم ـ في أكــثر مـن مناسبة مـرت، وقـلـت لك إن الـذيـن يـنـقـادون في سـلـوكـهـم لـمـعـنى عـبـوديـتهـم لله، إنـما يـطـيـعـونه ويـعـبـدونه أداء لـحـق الـعـبـودية لله في أعـنـاقـهـم، ولا يـرون أن مـن حـقـهـم أن يـطـلـبـوا مـنه عـلى ذلك أي جـزاء، وكـيـف يـتـأتى أن يـطـلب الـعـبـد الـمـملـوك مـن سـيـده أجـراً عـلى ما يـجـب عـلـيه الـقـيام به مـن خـدمة سـيـده، وأداء حـق عـبـوديـته لـه.
فـكـيـف إذا عـلـم الـعـبـد مـع ذلك أنه إنـما يـؤمـر مـن قـبـل مـولاه، بـما فـيه صـلاح شـأن ذاته هـو، وبـما يحـقـق لـه أسـباب نـعـيمه وسـعـادته ورغـد عـيشه.
إن الـمـنـطـق يـقـتضي أن يـتـقــدم الـعـبـد بالـشـكـر لله، والـثـناء عـلـيه إذ هـداه إلى مـا فـيه صـلاحـه وخـيـره، وصـرفـه عـما فـيه شـقـاؤه وهـلاكـه، لا أن يـطالب الله بالأجـر عـلى تـوفـيـقـه لـه، في الاســتـجـابة لـما قـد هـداه إلـيه.
غـير أن هـذا لا يعـني أن يـعـلـن الـعـبـد اسـتغـناءه ،عـما قـد أطـمعـه الله بـه مـن الحـصـول عـلى جـنـته، فـقــد سـبـق أن قـلـت لك إن عـبـودية الإنسان لله، تقـتضـيه أن يـسأله الـنـعـيـم الـذي وعـده، وأن يـسـتـعـيـذ به مـن الـعـذاب الـذي تـوعـد بـه أو حـذره مـنه، وقـد كان هـذا دأب رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم)، ودأب أصـحابه والـربانـيين مـن الـسـلـف الـصالح.
وإنّه مما لا شـك فـيه إن الـدنيا مـرآة الآخـرة، وأن مـن حسـن حـاله في الـدنيا مـع الله عـمـلاً وإخـلاصاً ومـراقـبة وذكـراً له، لا بـد إن أمـعـن الـنـظـر إلـيـها أن يجـد نـذيـر الـفـناء مـلا زمـاً لـها واضحـاً عـليها، إذ لا يبقى شئ مـن نـعـيـمـها عـلى حاله قـط، يـولـد كل شيء فـيها مما يحـبه الإنسان ويتعـلـق به مـن الـحـب والجـمال، ثـم مـا إلا فـترة قـصيرة مـن الـزمـن، فـيبـذل ويـذهـب عـلى حـين غـفـلة مـن أمـر الإنسان فـإذا هـو أثـر بـعـد عـين، وخـيال مـغـلف بالـوهـم، ذلك هـو الـطـابـع الـغـالب الـذي يـتبـدى عـلى كل أشـياء الـدنيا.
.. وللحـديث بـقـية.

إلى الأعلى