الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / “تأملات فى عالم نجيب محفوظ” تحتفي بذكرى رحيله الثامنة

“تأملات فى عالم نجيب محفوظ” تحتفي بذكرى رحيله الثامنة

قدم رؤية فنية متميزة للإنتاج الأدبى العربى .. رواياته غيرت مسار ثقافة العرب .. قلمه أضاء العقول العربية بإبداعات تاريخية
عرض ـ حسام محمود:
حلت فى الثلاثين من أغسطس الماضي الذكرى الثامنة لرحيل الأديب العالمي نجيب محفوظ الذي خلد اسم الأدب العربي بحصوله على جائزة نوبل في الآداب , وقد حرصت الهيئة المصرية العامة للكتاب بالقاهرة فى اطار احتفالاتها بذكرى رحيل نجيب محفوظ السنوية على اصدار مجموعة من المؤلفات التى تتحدث عن المشوار الرائع لأديب نوبل العربى المصرى صاحب التراث الزاخر من الثقافة والفكر والإبداع الأدبى . وكان فى مقدمة هذه المجموعة مؤلف “تأملات فى عالم نجيب محفوظ” للكاتب محمود أمين العالم صاحب الرؤية المستنيرة لإرث محفوظ الثقافى والادبى الغنى , حيث يلقى الضوء على مجمل رحلة أديب نوبل مع الأدب العربى وصولا إلى العالمية , مع وضع رؤية نقدية لبعض نفائس التراث لمحفوظ .
إبداع السنين
بدأ نجيب محفوظ الكتابة في ثلاثينيات القرن العشرين ، وكان ينشر قصصه القصيرة في مجلة الرسالة ، ونشر روايته الأولى (عبث الأقدار) التي تقدم مفهومه المتميز عن الواقعية التاريخية ، ثم تدرج فى النشر ليبدع (كفاح طيبة) و(رادوبيس) منهيا ثلاثية تاريخية من زمن الفراعنة المصريين . ومنذ عام 1945 ، بدأ نجيب محفوظ خطه الروائي الواقعي الذي حافظ عليه في مسيرته الأدبية برواية ( القاهرة الجديدة ) ، ثم (خان الخليلي) , و (زقاق المدق) ، كما اتجه إلى الرمزية فى رواية (الشحاذ) ، و(أولاد حارتنا) التي كان لها ردود فعل قوية وسببا في التحريض على محاولة اغتياله الفاشلة . كما اتجه محفوظ في مراحل متقدمة من مشواره الأدبى إلى مفاهيم جديدة كالكتابة على حدود الفانتازيا مثل ( ليالي ألف ليلة ) , و كتابة الشيق ( البوح الصوفي والأحلام ) , كما في منظومته (أصداء السيرة الذاتية) , و(أحلام فترة النقاهة) , واللذين كان فيهما بانوراما التكثيف الشعري . وتعتبر رواية القاهرة الجديدة للأديب المصري الكبير نجيب محفوظ التى نشرت لأول مرة سنة 1945 وتم تحويلها لفيلم سينمائي سنة 1966 باسم (القاهرة 30) قفزة كبيرة فى عالم القصص والروايات العربية على مر العصور . فالبطل الرئيسي للرواية هو محجوب عبد الدايم , وهو متسلق وصولي يتزوج من إحسان , ويتم تعيينه في وظيفة كبيرة بالقاهرة بشرط أن يسمح لمديره في العمل بأن يشاركه زوجته , وينتهى الأمر بافتضاح أمره ونقله إلى أسوان فى أقاصى صعيد مصر . ويصور فى هذه الرواية كيف كان الفاسدون يقيمون حفلات الترف والمجون فى هذا العصر بحجة الأعمال الخيرية , بينما واقعهم بعيدا عن أى تصرف سوى , وكيف يكون مصير خريجى الجامعات بعد سنوات الشقاء لنيل الشهادة العليا لتتخطفهم أمواج الحياة بحثا عن عمل , وبعضهم يسير فى درب الحق والحقيقة والكفاح من أجل الخير والعدل والثورة ضد الفساد , بينما البعض الآخر يصر على تقليد نماذج الوصولية والتسلق بفرص تأتى على حساب الآخرين يبيعون فيها الشرف والضمير بحفنة من المال وبوظيفة , فلا توجد لديهم مثل أو قيم بعد أن طحنهم الجوع والفقر والمرض فيبيعون أهلهم ونساءهم بمنتهى العبث والفوضى الاجتماعية والاخلاقية . ومن أكثر الروايات التى تنسج نسيجا بين الحب وحقيقة الحياة هى رواية ( خان الخليلي ) لمحفوظ , وهي رواية من ابداعاته التى تتحدث عن (أحمد أفندى عاكف) الذى اضطر ان يقطع تعليمه ويتوظف حتى يرعى اسرته بعدما تم فصل أبيه من العمل . وكانت الاسرة تقطن في حى السكاكينى حتى اشتدت الحرب العالمية الثانية وكثرت الغارات فاضطرت الأسرة للانتقال إلى حى خان الخليلي حيث أحب أحمد أفندى وهو في الأربعينيات من العمر جارته الجميلة نوال ابنة الستة عشر ثم يعود أخوه (رشدى) من أسيوط , حيث كان يعمل في فرع بنك مصر هناك , وينقل إلى القاهرة , ويحب رشدى نوال وتحبه هى أيضاً . لكن استهتار رشدى بصحته ومداومته على السهر والقمار وشرب الخمر يؤدى لاصابته بالسل , ويموت في آخر الرواية , وتنتقل الأسرة إلى مكان آخر تاركة (خان الخليلى) بما فيه من قصص حب بين رجال الأسرة والجارة الصبية الجميلة .
بداية ونهاية
تعتبر رواية بداية ونهاية من أكثر روايات محفوظ كقيمة صيغت فى فيلم من خلال رؤية تمثيلية لابطال الرواية , فالكاتب يصور تطلعات کل من الطبقة الشعبية والمتوسطة والأرستقراطية وطموحاتها في مجتمع يعبر عن التباين الموجود بين طبقات تعيش في بيئة واحدة . وهذا التصوير في الواقع نقد للمجتمع . الخط الدرامي في الرواية يقوم على صراع الأسرة مع الفقر , بعد موت عائلها تارکا زوجته ونجلته الشابة , وولدين في سن الدراسة , وولد ثالث معطل عن العمل بعد فشله في التعليم . وللأسرة معاش محدود لايتجاوز خمسة جنيهات مصرية في الشهر . وتدور أحداث الرواية حول کفاح الأم وأبنائها في سبيل الحياة في وقت لاتتعدي فيه ميزانية الأسرة کلها شهريا مبلغ الجنيهات الخمسة . وفي غيبة التأمينات الاجتماعية بسبب انتشار الفساد والاستغلال , وتتعقد الأمور أمام هذه الأسرة , ويعاني أفرادها الكثير تحت وطأة الحرمان واوضاع المجتمع القاسية . هكذا كانت البداية البائسة وتوالت الأحداث . كانت حياة الأسرة حياة كفاح وجلد ويأس وانحراف وندم وخطيئة وطموح وقناعة واجرام وطيبة . كان خط الصراع مع الفقر هو الخط الأساسي , وكانت البدايات كلها سببا وأساسا للنهاية . فحسين يرفض فكرة مساهمة نفيسة في نفقات المنزل بأن تعمل كخياطة , ولكن الحاجة أخرسته , والفقر هو الذي زاد من تعاسة نفيسة فهي لا تجني من عملها إلا مبالغ زهيدة , ولذلك اهتمت بنفسها لكي تلفت انتباه محمد الفل فهي ليست جميلة فانحرفت الى طريق الغواية , ورضيت الهوان في سبيل النقود . وهذا حسن يضحي بفرصة التعليم العالي , ويعمل ليتم حسنين تعليمه , وحسنين يتخلى عن بهية هروبا من الفقر , ويتطلع الى مجتمع افضل , لكنه لم يستطع الهروب من قدره لذلك رفضته اسرة الباشا زوجا لابنتها . وتنتهي القصة وتصل المأساة الى قمتها بمطاردة الشرطة لحسين بتهمة التجارة فى المخدرات , وتنزل الضربة القاضية على حسنين عندما يكتشف وهو الضابط المحترم ان اخته نفيسة تمتهن البغاء سرا حتى قبض عليها في احد بيوت الدعارة . فيسارع حسنين لإطلاق سراحها ويقودها الى النيل لتنتحر غرقا ثم يندم على فعلته وينتحر هو الاخر ممثلا الطبقة الوسطى التي يتغير أفرادها في محاولة الصعود .
فلسفة جديدة
ولم ينس محفوظ وضع نماذج من الصراع بين الانتقام والتسلق والفساد , وصراع الفلسفة الشعبية للمهمشين والمطحونين حتى لو كانوا لصوصا مع أثرياء صنعوا مالهم على حساب المجتمع بالمتاجرة بالمبادئ والقيم بشعارات زائفة , خاصة فى رواية اللص والكلاب , فمن البداية يضع نجيب محفوظ القارئ أمام واقع يعيشه بطل الرواية (سعيد مهران) الخارج من السجن بسبب ارتكاب سرقة ، وقد كانت المرارة التي شعر بها خلال فترة الحبس أقل من المرارة التي تركتها زوجته في نفسه ، عندما زين لها صديق سعيد السابق (عليش سدرة ) أن تطلب الطلاق من سعيد ، ليتزوجها عليش بعد ذلك . كما أن شعوره بأن ابنته الطفلة سناء عند هذين الخائنين زاد من حقده عليهما . كان أول ما فعله سعيد توجهه إلى بيت عليش وطلب رؤية ابنته وأخذ بعض الأشياء الخاصة به . وقد صدم عندما لم تعرفه ابنته وعندما تنكر له الزوجان . فطلب أن يأخذ البنت ولكن الزوجين أعطياه بعض الكتب . وخرج وهو مصمم على قتل الاثنين . ويلجأ سعيد إلى بيت أحد الشيوخ الذي كان سعيد يزوره وهو صغير بصحبة أبيه , ويحاول الشيخ أن يسمعه بعض النصائح . التي لم يجد فيها سعيد ما يخفف من حالة الإحباط التي يعيش فيها . ثم يذهب إلى رجل كان على علاقة بأبويه هو رؤوف علوان الذى يدرس الحقوق في الجامعة . وكان يعطف على سعيد وقد خلصه مرة من ورطة سرقة لأحد الطلبة . لكن (سعيد) يجد أن رؤوف قد تغير بحكم منصبه حيث صار رئيس تحرير جريدة , ويخرج من عنده حاقدا بعد أن أعطاه عشرة جنيهات . زادت الزيارة غضب سعيد على الناس ، وقد قرر في نفسه أن يسرق قصر رؤوف لكنه يفشل ويقبض عليه ، ويكتفي رؤوف بسباب سعيد واسترجاع النقود التي أعطاه إياه . يتجه بعد هذا للمقهى الذي كان يضمه في السابق مع شلة السوء ، ويدور حوار بينه وبين المعلم طرزان صاحب المقهى وبعض الزبائن , ويطلب من المعلم مسدسا ، ويحقق له المعلم طلبه ، ويجد القارئ مفارقة في انتقال سعيد من بيت الشيخ الطاهر إلى بيت بائعة هوى . وصمم سعيد على قتل رؤوف علوان بعد أن فضحه على صفحات الصحف , وقد رصد سعيد عودة رؤوف وما أن نزل الأخير من السيارة ، حتى أطلق عليه النار , ولكن تبادل حراس القصر النار مع سعيد قد أربكه ، ولم يستطع التصويب بدقة , لكنه اكتشف انه اصيب بطلق نارى كما أن حارس القصر قتل وليس علوان نفسه ، فينكفئ على نفسه يلومها وتخيل أنه يقف وسط قفص الاتهام في المحكمة , وعندما طرقت صاحبة الشقة الباب تطلب ايجار الشقة ، يهرب سعيد لاجئا إلى بيت الشيخ هروبا إلى الأمان والتعادل الروحي لكن حواره مع الشيخ أشعره باليأس ، ومن ثم خرج ليواجه مصيره فقد قبض رجال الشرطة عليه بعد معركة غير متكافئة . لقد كان سعيد مهران فيلسوفا جاهلا عندما رأى سرقة الفاسدين لصالح الفقراء معادلة للعدل لكنه لم يفطن أنها سرقة فى حد ذاتها لا تقيم عدلا ولا حقا , فيجب مواجهة الفاسدين ومعاقبتهم وليس معالجة الفساد بالسرقة والقتل , لقد جمع اللص فى رواية نجيب محفوظ بين الرغبة فى الانتقام والشعور بحب الثقافة من خلال الكتب والمعرفة بل لدرجة الوصول بفلسفة جديدة إلى العالم رغم خطئها .
ومن خلال سنوات ابداع محفوظ نجد سلسلة ارتباطات بين توجهاته الادبية من ايحاءات نهر النيل ومياهه الذهبية , والمعزولون عن الحياة الذين ترتعش فرائسهم فى رواية ثرثرة فوق النيل , لينساق إلى عالم السوق فى روايات رائعة فى الصراع بين الخير والشر وهى : ( الحرافيش ) , و( التوت والنبوت ) , و( شهد الملكة ) . وصولا إلى بنسيون ( ميرامار ) المعترك الاجتماعى للفن والشعر والعمل والفساد والغواية , وكلها شاهدة على ترابط قصصى لتصوير مراحل فارقة فى تاريخ مجتمعات وطبقات تفاعلت فى رسم وجوه الحياة المختلفة بقلم محفوظ العبقرى .

إلى الأعلى