الخميس 21 فبراير 2019 م - ١٦ جمادى الأخرة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / “غفوة” البرازيل

“غفوة” البرازيل

يبدو أن البرازيل مقبلة على مرحلة تاريخية تعيدها إلى ستينيات القرن الماضي الذي خضعت خلالها للحكم العسكري لمدة 20 عاما قبل أن تعود للمسار الديمقراطي في 1985، فبعد مرحلة من حالة عدم التوازن السياسي في البرازيل خصوصا في فئة النخبة الحاكمة، فاز الرئيس البرازيلي جائير بولسونارو في الانتخابات الأخيرة التي أجريت في أكتوبر الماضي بفارق شاسع عن منافسه “اليساري” فيرناندو حداد، وتسلم مهام من منصبه رسميا من خلال حفل تنصيب أقيم مطلع العام الجاري؛ لكن البرازيليون بات لديهم القناعة بأن المرحلة القادمة ملامحها “سوداوية”.
فوسط إجراءات أمنية ورسمية غير مسبوقة فاقت استضافة البرازيل لفعاليات رياضية عظمى مثل مونديال 2014 ودورة الألعاب الأولمبية 2016، أقام الرئيس البرازيلي حفلا ضخما لتنصيبه شارك فيه نحو نصف مليون شخص ـ بحسب قناة روسيا اليوم ـ ووجه الدعوة لعدد من زعماء العالم أبرزهم بنيامين نتنياهو رئيس وزراء الكيان المحتل، والذي بادر باحتضان بولسونارو عقب أدائه اليمن، في الوقت الذي ألغى دعوات قادة الدول غير المتفقين معه فكريا وسياسيا مثل الزعماء اليساريين في كوبا ونيكاراجوا وفنزويلا.
جائير بولسونارو ضابط سابق ينتمي إلى اليمين المتشدد، ويميل إلى الحكم العسكري، بل ويرى أن العصر الماسي للجمهورية البرازيلية كان في حقبة الانقلاب العسكري الذي أطاح بحكومة الرئيس جواو جولار المنتخبة ديمقراطيا عام 1964، بل ووصف هذه الفترة بأنها “مرحلة مجيدة” من تاريخ البرازيل، كما دأب على تمثيل مصالح الجيش في البرلمان البرازيلي حين كان نائبا، بحسب هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”، ومنذ انتخابه عين ضباطا سابقين في وزارات مهمة بحكومته.
الرئيس الجديد للبرازيل تركزت وعوده الانتخابية على العوامل الأمنية مثل استعادة الأمن الداخلي، ودحر الجريمة، وملاحقة المخالفين للقانون، وتطهير الحياة السياسية والاقتصادية من الفساد، وملاحقة الفاسدين بدءا من منصب الرئيس وحتى أصغر مواطن، وعزز من ادعاءاته أن الرئيس الأسبق لولا دا سيلفا يقضي عقوبة السجن باتهامات تتعلق بالفساد، لكن بعد انتخابه بأيام عهد إلى أحد القضاة بترك تحقيقات كان يجريها في فضيحة فساد ضخمة ـ بحسب رويترز ـ وعينه وزيرا للعدل، فيما أقدم على معالجة المعضلة الأمنية بطريقة “المواطنين الشرفاء” وذلك بتسهيل إجراءات حملهم السلاح، وكتب على “تويتر” أنه سيصدر مرسوما رئاسيا يسمح للمواطنين الذين ليس لهم سجل إجرامي بامتلاك السلاح.
وفي الجانب الديمقراطي انتهج بولسونارو فكرا ـ ليس جديدا ـ لضمان بقائه في السلطة خلال السنوات القادمة، وذلك بإحياء الحبل السري الذي يربطه بالمؤسسة العسكرية، وأنه فقط من يمثلها ويمثل الدولة، فقال عقب أداء وزير دفاعه الجديد فرناندو أزيفيدو إي سيلفا اليمين “إن القوات المسلحة تمثل حصنا ضد أي مجموعة أو شخص قد تسول له نفسه اغتصاب السلطة” ـ بحسب رويترز. وتحمل كلماته فحوى مهمة هي أن الجيش هو القناة الشرعية للحكم ولن يأتي حاكم دون رضا المؤسسة عنه، وظهر مفتونا بنفسه عندما قال إن فوزه في الانتخابات دليل على رغبة البرازيليون العيش “تحت مظلة نظام محكم في السلطة”، وإنه لن يدخر جهدا في العمل إلى جانب “القيادة المدنية” ليصدر رسالة أنه رجل عسكري في المقام الأول وابن مؤسسة الجيش، وهو ما دفع المراقبين البرازيليين إلى وصف انتخابه بأنه “تهديد للديمقراطية”.
الغريب أن غالبية البرازيليون كانوا يرونه “مُخَلصا” وأنه سيضع الدولة في المسار الصحيح لطي صفحات الفساد المتراكمة، بينما كانت الأقلية تتخوف من تحول البرازيل في عهده إلى الديكتاتورية، وعقب فوزه تعاظمت آراء الأقلية وتراجعت آراء الأغلبية في ظل تنامي تصريحاته المناهضة للحقوق والحريات، وكذلك الطابع العنصري لتعليقاته وأفعاله.
من اللافت للنظر أيضا أن بولسونارو يعتبر الرئيس الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بمثابة “مثل أعلى” له، حتى أطلق عليه كثيرون اسم “ترامب البرازيلي” ـ بحسب بي بي سي ـ بل وقرر نقل سفارة البرازيل في إسرائيل من تل أبيب إلى القدس، لتكون قربانا لنيل رضا الإدارة الأميركية، بل وتشابه مع ترامب في حملته الانتخابية بإعلان الانسحاب من اتفاقية باريس لحماية البيئة، وهو ما نفذه ترامب بالفعل، بينما ما زال بولسونارو بعيدا عن هذه الخطوة.
ومن غير المستغرب اتساع الجرائم في شمال البلاد وتزايد هجمات السلب والنهب على المحال التجارية مع انتشار القوات العسكرية، لتنهار معها وعود الأمن، وتزايد الاعتقالات لتسقط ادعاءات الحياة الأفضل، وتصدير الوعود لترامب بإقامة قواعد أميركية على الأراضي البرازيلية لتنهار فكرة الاستقلالية.
البرازيليون باتوا يدركون أنهم يبتعدون عن المسار الديمقراطي، وأن وعود جائير بولسونارو الحالمة تهاوت أثناء حفل تنصيبه رئيسا، وعقب الحضن الحميم مع نتنياهو، الذي زار دولتهم لأول مرة بعد أيام من تولي رئيسهم الجديد، وبعد هيامه بترامب، ومع إعلانه الحنين الدائم لفترة الحكم العسكري التي تميزت بالسجن والتعذيب والقمع، وأن حلوله لمشكلات المجتمع لن تكون سوى مسكنات يتناولونها من تصريحاته وتصريحات المسؤولين، وأن فوزه في الانتخابات الديمقراطية كان لحظة “غفوة”.

أيمن حسين
كاتب مصري وباحث اقتصاد وعلوم سياسية
Ayman76h@gmail.com

إلى الأعلى