الإثنين 25 مارس 2019 م - ١٨ رجب ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن: الـسـلـوك الإسـلامي وأثـره في النفـس (5)

شـذرات مـن هـدي القـرآن: الـسـلـوك الإسـلامي وأثـره في النفـس (5)

ناصر بن محمد الزيدي:
الحـمد لله رب العـالـمين والصـلاة والسلام عـلى سـيـد الـمـرسـلين، وخاتم النـبيين وإمـام الـمتـقـين، وحجـة الله رب العـالـمين، وعـلى آلـه وأصـحابه أجـمعـين، وعـلى التابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الــدين وبـعـد:
فـلا زال الـحـيث مـوصـولاً عـن الـسـلـوك الإسـلامي وأثـره في الـنـفـس: ربـما تجـد كـثـيراً مـن الـمسـلـمين، لا يـدركـون مـن أسـرار الإيـمان بـسبب عـدم اهـتمامهـم بمـا يـصـلح حـالـهـم في الـدارين، مـن الأعـمـال التي تـدفـعهـم إلى مـعـرفـة الـعـمـل الـذي يـقـربـهـم إلى الله، والاخـلاص فـيه لله.
ولـقـد عـلـم الله أن أكـثر الـنـاس محـجـوبـون عـن رؤيـة ما يـصلـحـهـم ويـسـعـدهـم، بـسبب رغـائبـهـم الـنـفـسية ونـزواتهـم الـغـريـزيـة، وعـاجـل مشـتهـياتهـم الـدنـيوية، بحـيث لـو تـركـهـم الله لـهـدايـة الـعـقـل وحـده وحـوافــز الـفـطـرة الإيـمانـية الـكامـنة في كـيان الإنـسان، لـغـلـبت عـلـيـهـم حـوافـز الـنـزوات، ودواعـي الأهـواء، ولأعـرضـواعـن الـنـظـر والـتـأمـل فـيما يـمـلـيه عـلـيهـم الـعـقـل الـسـلـيـم والنـظـر الـسـديــد، ومـا يـرشـدهـم إلـيه العـلـم الـصحـيح فـكان مـن لـطـف الله ورحـمته بـهـم أن سـاقـهـم إلى سـبـيـل الـرشـد والـسـعـادة بـعـزائـم الأوأمـر والـنـواهـي، ودفـعـهـم إلى الـتـوجـه لـمـا فـيه خـيرهـم بـقـوارع الإلـزام والـوجـوب، رحـمة بـهـم مـن عـلام الـغـيـوب.
ولـعـل هـذا الـذي ينـبهـنا إلـيه أحـد الـعـلـماء الـحـكـماء، فـهـو يـذكـرنا بحكـمة الـوالـد وهـو يـرعـى صـغـاره، ويـسـهـر عـلى رعـايـتهـم وراحـتهـم وتـربـيتـهـم وتـوجـيـهـهـم لـما فـيه سـعـادتهـم في الـدنـيا والآخـرة، إذا رأى تـغـلـب الـطـيـش عـلـيهـم وانسـايـاقـهـم إلى مـزالــق الـسـوء والـفـساد، وعـجـز مـداركـهـم الـغـضة عـن مـعـرفـة مـا فـيه خـيـرهـم وصـلاحـهـم، حـول حـواره مـعـهـم ونـصائحـه لـهـم إلى أمـر وإلــزام وعـزم.
لـسنا هـنـا بـصـدد الـتـشـبيه فلله الـمـثـل الأعـلى، ولـكـن لأمـر ما يـقـرن الله بـين طـاعـة الـعـبـد لـربـه ، وطـاعـة الـعـبـد لأبـويـه، ألا تـرى إلى قـوله تعالى:(وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ..) (الإسـراء ـ 23)، والحـكـمة في ذلك والله أعـلـم، أن نـدرك مـن هـذه الـمـقـارنة أن أصـول الـتربـية في جـوهـرهـا واحـدة.
إلا أن الله أناط مسـؤولـيتها بالأبـويـن بالـنسـبة للـصغـار، الـذين لـم يـبـلـغـوا سـن الـرشـد بـعـد، ولـم يـتأت لـهـم بـعـد فـهـم عـبـوديـتهـم وممـلـوكـيتهـم المـطـلـقة لله وحـده، ولـم تـتهـيـأ عــقـولـهـم الـغـضـة بـعـد لادراك مـعـنى الانـقـياد لأمـره والخـضـوع لـسـلطـانه، عـلى أساس مـن الـيـقـين بالـغـيب الـمحـجـوب عـن حـواسـهـم.
فـكأن الأبـويـن يـنـوبان في هـذه الـمـرحـلة عـن الله في تـربـيته وتـوجيـهـه، حـتى إذا نـضـج عـقـله وتـكامـل وعـيه ونـما اسـتعـداده، لـمـعـرفـة الـغـيب والإيـمان به، تحـول الخـطاب الـمـتـجـه إلـيه مـن الأبـويـن إلى الخـطاب الـمتـجـه إلـيه مـن الله مـبـاشـرة وتحـميـلـه الـمـسـؤولـية.
ووقـفـت بـه تـعـالـيـم الـدين عـلى الـمعـنى الـمتـمثـل في عـبـودية الـناس جـمـيـعـاً: آبـاء وأمـهـات وأولاداً، ورؤسـاء ومـرؤوسـين لله عـزوجـل، فـعـنـدئـذ يـتـلـقى تـعـالـيمه وتـوجـيهـاته مـباشـرة مـن الله وحـده، أي: دون وسـاطـة الأبـوين وإن كانـت شـرعـة الـبر بـهـما والانـقـياد لأوامـرهـما، تـبـقى مسـتـمرة غـير مـنـقـطـعـة.
والـمهـم إن مـنـهاج الـتربـية التي يـتلـقـاهـا الـعـبـد مـن ربه واحـدة لا تخـتـلـف في كـلا الـمـرحـلـتين، مـرحـلة الـطـفـولة، ومرحـلة الـرشـد، وإن اخـتلـف الأسـلـوب وتـدخـلـت الـواسـطة في الـمـراحـل الأولى.
إذن: فـعـنصـرالإلــزام والايجـاب، لا بـد مـنه في عـلاقـة العـبـد بـربـه نـظـراً إلى أن سـلطان أهـوائـه ونـزواته الـنـفـسية، يحـجـبه في كـثـير مـن الحالات عـن الـتـبـصر بـما يصـلحه وعـن مـعـرفـة الأضـرار التي قـد يـتـعـرض لـها، كـما أن هـذا الـعـنصـر ذاته لابــد مـنه في عـلاقـة الـصـغـير بأبـويـه، نـظـرا إلى أن مـداركه الـعـقـلـية، لـم تـنـضـج بـعـد بـيـعـتـمـد عـلـيها في إدراك مضـاره ومصالحه وسـلـوكـه التي هـي الـمـيزان في التـصـرف إن كان عـقـلانـيا أو غـير عـقـلاني.
والـمـقـصـود والـمـطـلـوب ان تـكـون سـلاسـل الإيـجـاب مـن الله عـز وجـل إنـما هي التي تسـوق الإنسان إلى ما فـيه خـيره وسـعـادته، في عـاجـل أمـره وآجـلـه، فاعـجـب لـمـن لا يتـجـه إلى حـيـث يـتـمـتـع بـرغـائـبه ومصالحه وأسـباب سـعـادته، إلا بسـلاسـل الـقـسـر والـقـهـر والإرغـام، وهـو كامـل الـرشـد ناضـح الـوعـي، قــد تجـاوز مـرحـلة الـطـفـولة وطـيـش الـمـراهـقـة، فـمـا لـهـؤلاء وأمـثـالهـم لايـكادون يـفـقـهـون حـديـثا.
وتـعـبـيراً عـن هـذا الاسـتـغـراب قال رسـول الله (صـلى الله عـلـيه وسـلم):(عـجـب الله مـن أقـوام يـقـادون إلى الجـنـة بالـسلاسـل) (رواه الـبخاري في صحيحه)، وقـد قاله في حـق الـمـشـركـين الـذين أسـروا يـوم بـدر، فـكان أسـرهـم هـو الـسبيـل إلى إسـلا مـهـم وخـلاصـهـم مـن شـقـاء الـكـفـر وعـقـابيله,
ونسـبة الـعـجـب في الحـديـث إلى الله، إنـما هـي عـلي سـبـيـل الـمـشـاكـلة، لـقـولـه تـعالى:(اللَّـهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) (الـبـقـرة ـ 15)، وكـقـوله:(وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّـهُ وَاللَّـهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) (آل عـمـران ـ 54).
والـمـعـنى الـذي تـعـبـر عـنه هـذه الـنـسبة الآتية عـلى بابها، اسـتثـارة أذهان الـناس إلى الـعـجـب، والاسـتغـراب مـن هـذا الأمـر، كأنـه يـقـول: ألا تـعـجـبـوا مـن أناس يـشـيحـون بـوجـوهـهـم عـن مـولاهـم، ويـعـرضـون عـما فـيه خـيرهـم وصـلاحـهـم ، فـلا يـقـبـلـون إلـيه لـينـعـمـوا ولـيسـعـدوا إلا بالـقـسر والـقـهـر والارغــام.
فـائـدة: عـن ابن حـزم الأنـدلسي: لا تنـصح عـلى شـرك الـقـبـول، ولا تشفـع عـلة شـرط الاجـابـة، ولا تهـب عـلى شـرط الإثـابة، ولـكـن عـلى سـبيل اسـعـمال الـفـضل، وتأدية مـا عـلـيـك مـن واجـب الـنصيحة، والـشـفاعـة وبـذل المعـروف.
.. وللحـديث بـقـية.

إلى الأعلى