الإثنين 24 يونيو 2019 م - ٢٠ شوال ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / الهند في الملعب الاستراتيجي للعام 2019

الهند في الملعب الاستراتيجي للعام 2019

علي بدوان

تدخل الهند ملعب الاستراتيجيات الدولية في العام 2019 من أوسع أبوابه، حيث يتوقع أن تكون ميدانا لتنافس شديد لبناء العلاقات معها من قبل مختلف اللاعبين الأقوياء على المسرح الدولي، خصوصا الولايات المتحدة التي تحاول استخدامها في الصراع مع الصين الشعبية، وروسيا الاتحادية التي تحاول إبعادها عن المحور الأميركي.
فقد دخلت الهند ميدان الاستراتيجيات الأميركية في القارة الآسيوية في أوقات متأخرة، وتحديدا بعد العام 1990، وذلك بعد كانت الهند من مؤسسي منظومة دول عدم الانحياز انطلاقا من مؤتمر باندونج عام 1955، ودولة ذات سياسات متوازنة جدا طوال عقود زمن الحرب الباردة، لكنها أصبحت منذ بدايات عقد تسعينيات القرن الماضي وكأنها حليف للولايات المتحدة الأميركية في أفغانستان بدلا من الحليف الأساسي لواشنطن ونعني به الباكستان، ونقطة ارتكاز أميركية مهمة في مواجهة جمهورية الصين الشعبية، وحتى باكستان الحليف التاريخي للولايات المتحدة الأميركية في شبه القارة الهندية منذ نهاية الحرب الكونية الثانية عام 1945. فالخلاف المتصاعد بين الولايات المتحدة وباكستان بشأن إدارة ملف أفغانستان انعكس سلبا على مجمل التحالف الاستراتيجي بينهما، وأدى في بعض الأحيان إلى حدوث تقارب باكستاني مع الصين على خلفية الحساسية المشتركة تجاه الهند، الحليفة الجديدة لواشنطن.
لقد استغلت واستثمرت واشنطن الخلافات الحدودية بين الهند والصين الشعبية بشأن (جبال همالايا)، وبين الهند وباكستان بشأن منطقة (كشْمِير)، لزيادة تعكير وتخريب العلاقات بين البلدان الثلاثة، ما زاد من التقارب بين الصين الشعبية وباكستان، من بوابة إنجاز مشاريع اقتصادية وَمَمرّ اقتصادي بين الصين والمحيط الهندي عبر كشمير التي تعتبرها الهند أرضا تابعة لها.
إذا، المسار الهندي، يندرج ضمن الاستراتيجيات التي تتبعها الإدارة الأميركية لاحتواء الصين عسكريا واقتصاديا، مستغلة التناقضات الناشئة بين القوَّتين الآسيويتين الكبيرتين في أكثر من ملف، وأهمها على الإطلاق الملف الحدودي. فالخلاف بين الدولتين على الحدود في أعالي جبال الهمالايا يمتد لعقد من الزمن، وقد تصاعد مؤخرا ليصل إلى حدود التوتُّر العسكري ولكن من دون اشتباك يذكر.
حقيقة، نجحت واشنطن بحدود معينة في تسعير وتأجيج الخلاف الصيني ـ الهندي، رغم انتماء الصين الشعبية والهند إلى مجموعة (بريكس)، إلى جانب جنوب إفريقيا والبرازيل، وروسيا التي تقوم بمساعي صُلْح بين الدولتين، وتحاول كذلك تشريك الهند في إنشاء مشاريع تجارية وضمها إلى شبكة أنابيب الغاز التي تعتزم (غاز بروم) تنفيذها بالشراكة مع إيران وباكستان بقيمة قد تفوق ستة عشر مليار دولار، وإدماج الهند في شبكة علاقات طاقة ونقل وتجارة، كمقدمة لزيادة التّكامل الاقتصادي ولصياغة تحالفات جديدة تمتد من روسيا إلى إيران عبر بلدان آسيا الوسطى والهند التي تحتاج إلى الطاقة المتوفرة لدى بقية الشركاء، حيث تعتبر الهند مستهلكا ومستوردا كبيرا للطاقة والغاز من إيران ودول الخليج عموما.
ومن جانب آخر، وفي سياق تنافسها مع بكين، فإن واشنطن تحاول بيع الهند أوهاما مستقبلية، حين تحاول وسائل الإعلام السائدة في المراكز الرأسمالية، لتقديم صورة وردية عن مستقبل الهند حال تطورت علاقاتها مع الولايات المتحدة كما يجب، باعتبار أن الهند ستحتل في هذه الأثناء الموقع الثالث في اقتصادات العالم، وبهذا تتقدم على اليابان وألمانيا، تسعى لابتلاع الهند تحت عنوان “العولمة”، وهي المفردة التي تعني بالنسبة لجزء من الطبقة الوسطى الهندية فرص عمل في قطاع صناعة الإلكترونية والبرمجة، ولكنها تعني بالنسبة لغالبية السكان في الهند شيئا آخر عنوانه ظروف عمل سيئة، ووعود استهلاكية غير قابلة للتحقق. وفي الريف الهندي تأتي العولمة مصحوبة بالتأثير السلبي على البيئة، والبنية الأساسية للمعيشة، وتفكيك الهياكل الاحتياطية التقليدية، بل وتصف أصوات هندية ضد العولمة بأن العولمة الاقتصادية في الهند ليست سوى عمليات جديدة لإعادة استعمار البلدان النامية.
التكتيك الروسي بشأن إمكانية تحييد الهند، أو على الأقل إبعادها عن تأثيرات واشنطن السلبية من وجهة نظرها، يستند إلى تقدير يقول إن الهند وباكستان ستستفيد من طرح مسائل الشراكة الاقتصادية وخصوصا في قطاع النفط والغاز، ما يخفف حدة الصراع بينهما، كما بين الصين الشعبية والهند، وهي الصراعات التي استغلتها وما زالت تستغلها الولايات المتحدة، وتعزف على وترها لإبقاء تلك المنطقة الحيوية من العالم في حومة الاضطرابات والقلاقل، عدا عن إزعاج المنافس الاقتصادي الجديد لها، ونعني به جمهورية الصين الشعبية، حيث الحرب الضارية بين واشنطن وبكين تحت الجمر المتقد بين الجارتين اللدودتين، بغرض منع الولايات المتحدة من إيجاد موطئ قدم جديد لها في آسيا. وهو جهد لا ينحصر في إطار تحالف مجموعة دول (البريكس) بل يتعداه إلى إنشاء مشاريع تجارية تعيد ربط الهند بالقارة اقتصاديا، عبر ضمها إلى شبكة أنابيب الغاز التي تعمل موسكو على إنشائها بالشراكة مع إيران وباكستان. وستكون الهند بوصفها هذه المشاريع هي المستفيدة الأكبر من حصول التكامل، نظرا لحجمها الاقتصادي الكبير وحاجتها إلى موارد للطاقة.
في هذا السياق، دأبت الولايات المتحدة على القيام بمناورات عسكرية دورية في خليج البنغال في شبه القارة الهندية، بمشاركة القوات البحرية اليابانية والهندية، حيث تم رفع حجم القوات والآليات المشاركة في آخر مناورات جرت، فيما شاركت الهند بسفينتين حربيتين في مناورات، وتزامنت إحدى تلك المناورات بمشاركة حاملة الطائرات الأميركية (ريجان) المتمركزة في اليابان، وهي أكبر سفينة حربية أميركية في آسيا، وقادرة على حَمل سبعين طائرة مقاتلة، مع استمرار لغة التهديدات الأميركية ضد كوريا الشمالية والصين وإيران، بل وتصاعدها ضد إيران في الفترات الأخيرة.
في الخلاصات والاستنتاجات، تنتظر الهند خلال العام الجديد 2019، جملة من المتغيرات الإقليمية المرتبطة بالسعي الأميركي للاستحواذ على مواقع مؤثرة في آسيا الوسطى وشبه القارة الهندية، فيما تواصل موسكو خط التهدئة الهادفة لإعادة بناء المصالح بين الهند وجوارها، وبالتالي تخفيف مديات النفوذ الأميركي في اقتصاداتها.

إلى الأعلى