الأربعاء 23 يناير 2019 م - ١٦ جمادي الأولي١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار: الثورة الفلسطينية لم تأت بعد!

باختصار: الثورة الفلسطينية لم تأت بعد!

زهير ماجد

تتغير أفكار الأجيال مع مرور الزمان، ومع المتغيرات ومع التطور، ومع المفاهيم الجديدة .. تصبح المسافة بين جيل وآخر هوة أحيانا ومعقدة حينا، حيث إن كل جيل هو شعب جديد، لا يعترف بما جاء قبله، كونه يريد فعل التجربة، لا يقنع أحدا من الشباب الطالع بالنصائح التي تتلى عيه، بل يذهب إلى ممارسة ما كان كي يدخل إلى التجربة بحلوها ومرها .. ويوم قلت لأحد السياسيين الكبار عما يعلمه لابنه، سخر من سؤالي، ورد قائلا: “هو من يعلمني”.
المهم في كل هذا أن الوطنية لا تعلم بل تكتسب مع الوعي .. كنا نخاف مثلا وفي مرحلة ما أن ينسى الفلسطينيون فلسطين مثلما قال جهابذة الصهاينة من أن الأجيال الفلسطينية الشابة سوف تنسى وطنها، لكننا نكتشف اليوم أن فلسطين تحيا على أيدي الشباب، كأنما تعود دورتها للحياة في وجوه عديدة، يقدم لنا الشباب الفلسطيني حيوية لا مثيل لها في الإبداع الوطني وفي عدم التسليم بأن فلسطين قضية خاسرة مع الوقت.
قدم الفلسطينيون تجربة رائدة يوم حملوا السلاح وأرادوه عنوانا لمرحلة، ثم جاءت الانتكاسة ومنهم من يقول الحل باتفاق أوسلو .. انطلاقا من المرحلتين، يمكن القول إن الثورة الفلسطينية لم تأتِ بعد، ما مر على عظمته من شهداء وتضحيات ومعارك وحروب ليس إلا بروفة (تجربة) للقادم .. إذ لا يمكن القفز فوق التاريخ كما تقول النظرية أو حرق مراحله، لكل مرحلة عنوانها، والعنوان الأكبر أن الذي حدث مع الأجيال الفلسطينية السابقة كان كله من الممهدات لما سيأتي، والذي لا بد أن يطل ليكون المعنى العميق لثورة ستحدث اختراقا في الواقع القائم، وتدشن عصر تطور للقضية الفلسطينية، بحيث تصبح فلسطين على بعد أمتار كما يختصر نزار قباني.
هنالك صحوة فلسطينية دائمة، وثمة شعب أخذ على عاتقه أن يتحمل كما تقول إحدى الأغنيات الفلسطينية .. أعتقد أن ثمة لدى الصهاينة من سوف يفكر بعقل هادئ ليرى تلك الثورة، لست أدري إن كان بإمكان المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابه استشراف مثل تلك الرؤية، أم أنها حتى عصية عليه أيضا؟
تلك الصحوة ليست كلاما شعريا ولا بناء رواية خيالية، هي حقيقة التزام جيل كامل بإعطاء فلسطين كل السخاء الذي تستحقه .. صحيح أن هنالك عواطف جياشة وطنية تحرك الجيل، لكن الصدق الشعبي يعطيها أفقا ونضجا .. لا أنكر وجود التنظيمات الفلسطينية بأسمائها القديمة المعروفة التي تحمل أيديولوجيا ومقدرتها على احتضان العفوية الفلسطينية الشابة وصهرها كما يجب .. لكن على ما يبدو، العفوية سباقة ولسوف يكون لها برنامجها في المرحلة التي تتفتق فيها روح الثورة، الحلم الذي يراه كثيرون بعيدا، والبعيد في عمر الشعوب ليس ما يذكر، التاريخ ليس بعدد السنين، بل بالإنجاز الذي يتحقق.
سمعت كلاما لافتا من الرئيس الفلسطيني محمود عباس يقول فيه “لن أنهي حياتي خائنا” .. كأنما يريد القول إن المشروع الأميركي أو سلة المشاريع الموضوعة للقضية الفلسطينية خطيرة إلى درجة تستأهل الموت المبكر قبل الغوص بها. وهذا الكلام أيضا يأخذنا إلى جملة مفيدة أن لا أحد من الفلسطينيين يمكنه التوقيع على أية صفقة أو مشروع ينهي القضية الفلسطينية .. ليس هنالك شيء اسمه نهاية للقضية إلا بتحرير فلسطين كل فلسطين.

إلى الأعلى