الجمعة 22 مارس 2019 م - ١٥ رجب ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن: أسعار النفط وحالة العناد السياسي

رأي الوطن: أسعار النفط وحالة العناد السياسي

يظل الترقب والقلق مسيطرين على التعاطي مع سوق النفط، خصوصًا وأن معظم الدول النفطية وغير النفطية، قد وضعت ميزانيتها في بداية العام على توقعات تقوم في الأساس على سعر النفط، فمعظم الدول النفطية لا يزال الذهب الأسود هو المسيطر على مصادرها الاقتصادية، برغم محاولات معظم البلدان التوجه نحو التنويع الاقتصادي بتنمية قطاعات اقتصادية غير نفطية. أما الدول غير النفطية فإنها وإن كانت تترقب بقاء الأسعار عند حدود منخفضة نظرًا لاعتمادها على استيراد النفط ومشتقاته، إلا أنها من جهة أخرى تأمل في أن يكون سعر برميل النفط أكثر عدلًا، حتى يتسنى لها الاستفادة من النمو العالمي الذي يزداد مع ضخ استثمارات الأموال النفطية كاستثمارات في الاقتصاد العالمي، تعطيه دفعة تبعده عن الركود الاقتصادي الذي يشهده في السنوات الأخيرة.
فمهما شهد السوق النفطي من تراجع متعمد، إلا أن معظم بلدان المعمورة تعي جيدًا أن هذا التراجع يؤثر سلبًا على الحركة التجارية العالمية، خصوصًا وأن عوائد النفط المجزية قد شكلت في العقدين الأخيرين قوة استثمارية دافعة للاقتصاد العالمي، تطوف حوال العالم باستثمارات الصناديق السيادية والاحتياطية للدول النفطية، ما يخلق رواجًا تجاريًّا يفتح الآفاق لتوفير مزيد من فرص العمل حول المعمورة، ويخلق حالة من الصرف الحكومي لتلك البلدان، ينشط التجارة والصناعة والخدمات، ما يزيد من فرص العمل المتوافرة، ومن متوسطات الدخول حول العالم، لتعود تلك الدائرة الاقتصادية لرؤوس الأموال النفطية بفوائد على القطاعات السياحية والعقارية في معظم بلدان المعمورة، كما يتيح هذا التوجه المضي قدمًا في المخططات الاجتماعية، التي باتت الهم المؤرق لمعظم حكومات العالم.
وبرغم أن كافة العاملين بقطاع النفط وغيره من القطاعات الاقتصادية يعون تلك الحقائق جيدًا، إلا أن الصراعات السياسية كانت صاحبة الصوت الأعلى في المضي قدمًا نحو ازدياد خسائر القطاع النفطي، خصوصًا بعدما كان يقترب من التعافي، ولعل هذا ما يراهن عليه العقلاء من الاقتصاديين حول العالم، حيث يرى الكثير أن الصراعات السياسية المحتدمة والتي أوصلت الأسعار النفطية لتلك الحالة ـ بعيدًا عن آلية العرض والطلب التي كانت تتحكم في السعر النفطي مسبقًا ـ سوف يكون لها حدود مع الهزات الاقتصادية التي يشهدها معظم بلدان العالم المتأثر بحالة الارتباك التي تسيطر على السوق النفطية، وهو ما دفع وزير النفط العراقي إلى التأكيد على أن تراجع أسعار النفط توقف والأسعار تتحسن تدريجيًّا، وتشديده على أن أي قرار يتعلق بخفض إنتاج أوبك أكثر سيتوقف على مراقبة تطورات الأسعار، ما يؤكد عزم المنظمة الأكثر إنتاجًا للنفط حول العالم على رفع الأسعار وإعادة التوازن للسعر السوقي.
كما ظهرت توقعات من العديد من الدول النفطية، مثل إدارة النفط النرويجية أمس الخميس التي قالت إن إنتاج النرويج من النفط والغاز في 2019 سيكون أقل من توقعات صدرت سابقًا، وسيسجل أدنى مستوى له في نحو ثلاثين عامًا، وزادت النرويج ـ أكبر منتج للنفط في غرب أوروبا وثاني أكبر منتج للغاز في أوروبا بعد روسيا ـ الإنتاج منذ التراجع الذي نجم عن الانخفاض الحاد في أسعار النفط الخام في الفترة من 2014 إلى 2017. وأضافت الإدارة أن إنتاج العام الماضي الذي بلغ 86.2 مليون متر مكعب، بما يعادل 542 مليون برميل، لم يحقق الرقم المتوقع البالغ 90.2 مليون متر مكعب الذي صدر قبل عام، وأن إنتاج 2019 سيكون على الأرجح 82.2 مليون متر مكعب بدلًا من 87.2 مليون متر مكعب كما كان متوقعًا من قبل. فالأسعار النفطية الحالية جعلت الكثير من المستثمرين في قطاع النفط والغاز يحجمون عن تلك الاستثمارات في انتظار إعادة التوازن المأمول في الأسواق.
وعلى الصعيد المحلي وبرغم صعود سعر الخام العماني لما يقارب 60 دولارًا أميركيًّا، إلا أن ذلك لا يزال غير مريح، خصوصًا وأن الميزانية الحالية لعام 2019 قد بنيت على سعر 58 دولارًا لبرميل النفط، فهل يكتفي المتصارعون سياسيًّا من حالة العناد، ويتوجهون بآليات اقتصادية تبغي التنمية المستدامة والفائدة للجميع؟

إلى الأعلى