الإثنين 25 مارس 2019 م - ١٨ رجب ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / نظرية العلاقات الدولية وضعف القدرة على التنبؤ

نظرية العلاقات الدولية وضعف القدرة على التنبؤ

أيمن حسين

بالرغم من تعدد نظريات العلاقات الدولية الكلاسيكية والكلاسيكية الجديدة والواقعية والواقعية الجديدة والنسوية والبنائية وغيرها، إلا أن تلك النظريات عجزت عن التنبؤ بمستقبل الأحداث الدولية، خصوصا فيما يتعلق بانهيار الاتحاد السوفيتي، ما دفع العالم الأميركي لبناني النشأة نسيم نقولا طالب لتدشين نظرية جديدة تعرف باسم نظرية “البجعة السمراء”، والتي تشير إلى ضعف القدرة على التنبؤ نتيجة لحدث غائب، أو عدم الإحاطة بكافة المتغيرات الخاصة بالظاهرة، وملخصها أنه كان يعتقد قديما أن كل البجع أبيض، وأنه لا يوجد ما يعرف بالبجع الأسد، وظل هذا هو الفكر السائد إلى أن تم اكتشاف البجع الأسود بقارة أستراليا، وهناك توصل العلماء إلى أن تفسير الأحداث يظل قاصرا على العوامل والمتغيرات المحيطة بالظاهرة، على الرغم من وجود متغيرات بعيدة لا يعلم عنها شيء ويمكنها تغيير الأحداث بشكل جذري، وهو ما وضح في العديد من الأحداث ومنها أحداث 11 سبتمبر عام 2001، والانهيار المالي لسوق العقارات في الولايات المتحدة عام 2008.
وفي الواقع أنه ليس فقط الحدث الغائب هو ما يؤثر على الأحداث الحاضرة والمستقبلية مثلما تشير نظرية البجعة السوداء، وإنما هناك كذلك متغيرات داخل الظاهرة لا يقام لها اعتبار ويفاجأ المتابع للأحداث بدورها الكبير في تغيير السياسات الدولية، أو على الأقل إرجاؤها إلى فترات أخرى، ومن ذلك ما يعرف بصفقة القرن التي يتم إرجاء تنفيذها أكثر من مرة نتيجة لمتغيرات لما تقوم لها الإدارة الأميركية الحالية الاعتبار المطلوب، ومن ذلك البعد الجماهيري الرافض لتلك الصفقة، والذي ظهر جليا من خلال مسيرات العودة التي لا تتوقف بالرغم مما تتكبده من خسائر بشرية كبيرة كل أسبوع.
فقد كانت الإدارة الأميركية تعتقد أن ما قامت به من قطع للمعونات عن منظمة الأونروا، وما فرضته من ضغوط على السلطة الفلسطينية، بالإضافة إلى الحصار المفروض على قطاع غزة وفصائل المقاومة في الداخل، من شأنه أن يدفع في اتجاه سرعة تنفيذ ما يعرف بصفقة القرن، إلا أنها فوجئت بصلابة الشعب الفلسطيني ورفضه الانصياع للإرادة الصهيو ـ أميركية، بالرغم من الضغوط الكبيرة المفروضة علىه.
ليس هذا فحسب، بل وفوجئت تلك الإدارة وهو ما لم يكن في اعتبارها بضغوط داخلية سواء إعلامية أو من قبل أعضاء بارزين داخل المؤسسات الأميركية تدفع باتجاه تقليص أدوارها ودفعها لتقديم استقالتها لما تمثله من خطورة كبيرة على التجربة الديمقراطية الأميركية، وما تقوم به من انتهاكات صارخة بحق المؤسسات الأميركية التي يراد تطويعها لخدمة الرئيس الأميركي وليس المصالح الأميركية.
يضاف إلى ذلك أنك لن تحصل على كل ما تريد سواء من الحلفاء أو من الخصوم، فالإدارة الأميركية في حربها الاقتصادية مع الصين لم تحصل عكس ما يزعم الرئيس ترامب على ما تريد، بل فوجئت بإجراءات مماثلة كلفتها مليارات الدولارات، وإن لم تشأ الصين مواصلة سياسة الحرب الباردة مع الولايات المتحدة وفضلت الاحتكام للغة العقل حفاظا على مصالح الطرفين، الأمر نفسه بالنسبة لإيران التي لم تنصع للضغوط الأميركية ورفضت قبول القرارات الأميركية الخاصة بفرض المزيد من الضغوط الاقتصادية عليها، معتبرة أن ذلك يخل بالاتفاق السابق مع إدارة الرئيس أوباما، بل ورفضت كذلك الدول الأوروبية الحليفة للولايات المتحدة الانصياع لقرارات ترامب وفضلت استمرار العلاقة مع إيران بناء على الاتفاق السابق، معتبرة أن الإدارة الأميركية الحالية إنما تعبر عن نفسها وفقط.
ويعني هذا أنه بالرغم من الدراسات المحكمة لقرارات السياسة الدولية، خصوصا تلك المتعلقة بالقوى العظمى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، إلا أن هناك بعض المتغيرات غير المحسوسة والتي لا يقام لها حساب، وتدفع في النهاية إلى عرقلة المخططات الدولية بل وإفشالها في بعض الأحيان، تلك المتغيرات التي تحتاج لأن توضع في الحسبان في المستقبل، قبل أن تعقد الصفقات الخاصة بمستقبل دول وشعوب أخرى.

إلى الأعلى