الثلاثاء 23 يوليو 2019 م - ٢٠ ذي القعدة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / ذاتَ زَمَن في الأندلس.. مرآةُ الماضي وسيفُ الحاضر

ذاتَ زَمَن في الأندلس.. مرآةُ الماضي وسيفُ الحاضر

علي عقلة عرسان

لا يمكنك بحال من الأحوال، أن تتفلَّت من تأثير حدث ضاغط يستثير يجرحك في الصميم، ويثير مشاعرك، ويجرّ وراءه واقعا مرا وتاريخا مرا، تبرق من بين ثناياهما، فواجع ووقائع وكوارث، تضعك في دائرة الضيق، وتضيِّق عليك المَدى الوسيع. والحدث البالغ حدَّ الحَزِّ في الوجدان والقلب معا، يصبح كارثيَّ الوقع على المرء، حين يضعه بمواجهة العجز عن فعل شيء حياله، سواء أكان واقعا يتدفق حضورا حيا، أو تاريخا تعيدك إليه وقائع، فتصبح في الحالين أسيرا. وحيال واقع مأساوي يشكله حدث مأساوي راهن، وتنتشر ضحاياه ونتائجه وفواجعه ونتائجه المدمرة على مدِّ النظر.. أو آخر يعيد إليك الصور في مرآة فإنك في دوامة وقائع وكوارث ومواقف وذكريات تمتد عمرا من العجز والفواجع، وتثير أفكارا ومشاعر أكثر من ضاغطة..
في مثل هذا الوضع يكون المرء في بَوْتَقَة دوامة عاتية، أو في مركزها، ولا قِبَل لـه بمواجهة أمواجها ورياحها الكاسحة وهو في وضع يكمنه من الإبصار والتبصر والتدبر. عشت هذا الوضع وأعايشه في مشاهداتي ومتابعاتي وقراءاتي، عبر مراحل من حياتنا وتاريخنا، “واقعا حيا ملموسا محسوسا، وانعكاسات وقائع في مرآة تاريخ الأمة كأنها الملموس المحسوس.. في زمن هو زمن “ملوك الطوائف”، حديثا وقديما..
زمن ملوك الطوائف اليوم، حيث تعيش أمتنا التنافر والتقاتل والتبعيات للأعداء والتحالفات معهم ضد الأخ والذات، في أيامنا هذه، أيام الأهوال والفتن والمجاعات.. وما أنتجه وينتجه هذا الوضع البائس، من إفلاس شبه شامل، ومن ضعف وهزائم وإباحات واستباحات، فضلا عن التقتيل والتدمير والتمزيق والمعاناة الكارثية للناس في دوامات الرعب.. حيث لا تكاد تنتهي فتنة حتى تأتي أخرى، ولا تكاد تنتهي دوامة مصيبة حتى تبدأ أخرى.. وكلهن دوامات بلوة وابتلاء مهلكات، فيهن الظلم والاستبداد والقتل، والنزوح، والتهجير، والهجرة القسرية والطوعية.. وفيهن المآسي والمهالك، وفقدان الأمن والأمل.. واستمرار الانقياد للأعداء والأحقاد.
وزمن ملوك الطوائف التاريخي في الأندلس، الذي أسفر عن هزائم منكرة، وعن محاكم التفتيش وجرائمها الفظيعة، وعن تقتيل وتهجير وتشريد، ومعاناة ترتعش لها قلوب من يسجل تلك المعاناة، ومن يقرأ ما سجله المؤرخون من ذلك.
وعلى الرغم من فداحة ما عشته وتابعته وسمعت عنه من معاناة أناسنا في زمن “ملوك طوائف” عرب اليوم.. فإنني رأيت في مرايا زمن “ملوك طوائف” عرب الأمس، ما يشعر بأشد الكوارث وأقسى الهزائم وأردأ الأوقات، وغدرا من الأعداء، سواء في تحالفاتهم أو في معاهداتهم.. ومعاهدة تسليم غرناطة تشهد على غدر وتنكر لما جاء فيها، وربما كان في الرجوع إلى بنودها عِظَة.
وأتوقف اليوم عند أبواب قرطبة وعتبات غرناطة، لأستعيد بعض ما تعكسه مرآتي.. وقد يكون ذلك ابتعادا مني عن فظائع الوضع العربي الراهن الذي طالما قاربته وقاربته وتلمست مآسيه، في هروب مني إلى تاريخ فيه الكثير الكثير مما لا يرحم، ولكن فيه بعض ما يشفع ويرفع الرأس، وربما أفعل ذلك لأعطي قلبي فرصة يخفف فيها الوجيف، فقد أتعبني أو كاد.
ذاتَ زمن وقفت أمام سطور في المرآة تشير إلى أن أبا المطرَّف عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك الأموي القرشي ( (113 – 172 ه ـ / 731 – 788م) المعروف بصقر قريش، وبعبد الرحمن الداخل، وعبد الرحمن الأول.. جمعَ شتات العرب والمسلمين في شبه الجزيرة الأيبيرية، وأقام دولة أموية، بعد سقوط الدولة الأموية في دمشق على يد العباسيين.. وظل إلى آخر حياته يحن إلى الشام التي خرج منها هاربا.. وقد رَنَّت كلمات حنينه ذاك في أذني حيث قال:
أَيُّها الرَّاكب المُيمِّمُ أرضي
أَقْرِ مِنْ بَعضيَ السلام لبَعضي
إنَّ جسمي، كما علمتَ، بأرضٍ
وفؤادي ومالكيه بأَرضِ
قَدَّر البينُ بيننا فافترقنا
وطوى البينُ عن جفونيَ غَمْضي
قد قضى اللهُ بالفراق علينا
فعسى باجتماعنا سوف يقضي
وذاتَ زمن، وقفت في قرطبة وغرناطة، والعمران والتاريخ المُدمَّى، ومحاكم التفتيش، وملاحقة المُورسكيين، “بقايا المسلمين الأسبان”، وتهصرني العلاقة بين أندلس الحاضر والماضي، وبين عرب الماضي والحاضر والمستقبل، وأمام الكثير من الإشارات ومما تمكن الإشارةُ إليه.. كان ذلك عاصفة شديدة من الانفعالات والمقروءات والرؤى، أخذتني عبر محيط لا نهاية لـه، وجعلتني أدخل دوامة الذكرى والحدث، وخضم شواغل الأعماق.. فعندما يغتسل المرء مثلي بدموعه، ويمتلئ منه القلب أسى.. تنهمل دموعه ثانية، وهو يرى في الجامع الكبير بقرطبة، وفي أرجاء جنَّة العريف وفي قصر الحمراء بغرناطة، تلك التحف المِعمارية التي نُقشَت على جدرانها وعلى أكاليل أبوابها ونوافذها آيات من القرآن الكريم في جامع قرطبة، وسُطِّرَت أبيات من شعر لسان الدين بن الخطيب “المولود في لوشة، رجب 713 هـ/1313م – فاس، 776 هـ/ 1374م.”، في قصر الحمراء بغرناطة، فيبتهج ويردد مع لسان الدين:
جادكَ الغيثُ إذا الغيثُ هَمى
يا زمان الوصلِ في الأندلس
لم يكن وصلُكَ إلا حُلما
في الكَرى أو خلسة المُختَلِسِ
ويفيض عليه ذكرُ ابن زيدون وولادة بنت المستكفي، في أطلال مدينة الزهراء، وفيض ابن عربي وابن رُشد وابن حزم وابن طُفيل. وتفيض عليه قرطبة معرفة بقلعتها الحرة التي عمل روجيه جارودي على إكسابها شيئا من الحيوية الداخلية، بما وضعه فيها من أدوات ومجسمات ولوحات، لإعطاء فكرة عن بعض إنجاز العرب والمسلمين في الأندلس، وتغمره قناطر تلك المدينة الرائعة، المطلة من فوق على الوادي الكبير، ويغمره مسجدها الجامع، جامع قرطبة، الفخيم العظيم الذي يندُر أن تجد له مثيلا، بقدرٍ لا يُستهان به من الرضا والاعتزاز.
ويا لغرناطة، بجنة العريف وقصر الحمراء فيها، من روعة وجمال وإتقان وفخامة، في المعمار والنقش والحفر والبناء.. يا لها من واقع حي يفوق الوصف، ويداني الخيال، ويتداخل مع المستوى الحضاري الرائع، والحلم الساحر، ذاك الذي يُطفئ جذوةَ سحره الواقعُ المُر، والذكريات الأمر، فيحوّله إلى كابوس يتمنى المرء لو ينشق صدره ليتخلص منه.
في المسجد الجامع في قرطبة آية حضارية عربية متكاملة، ترفع الرأس شامخا بما أنجز الأجداد في مجال المعمار.. وفيه وفيها جرح ينزف في قلب العربي والمسلم، منذ لحظة وقوفه أمام المَدخل الرئيس للمسجد وإلى لحظات تجواله فيه وخروجه منه. عند عتبته بدأ قرعُ النواقيس التي احتلت مكان المِئذنة، وأخذت تصرخ في صباح يوم أحد، وبقيت تقرع وتقرع وتقرع بتحدٍّ ظاهر، إلى المدى الذي خِلت معه أن الكون بثقله ينقض على صدري ويمنع عني الهواء، ويضعني في قلب دوامة عاتية يشكلها ذلك القرع الذي يركض بي مدى الواقع والتاريخ، ويعيد عرض فصول المآسي، ويجعل العالم الرحب أشد ضيقا من سُم الخياط.. ثقل المحنة على صدري، وضعف نفوس أناسي، عرب الأمس، يعيدني إلى ضعف نفوس أناسي عرب اليوم، وإلى تمزقهم وتشتت ولاءاتهم وضعفهم، وإلى ضيق الرؤية ذاته الذي أسقط ما أسقط في القديم والحديث.. فآهٍ من ضيق الرؤية، وتورُّم الأنانية، وقُصور النّظر، وقِصَر القامات.. تلك الماثلة أمامي جبالا مكللة بالدم والنار، وصراعَ طوائف وعشائر، وقامات رجال طوال الظلال والهامات أقزام الأرواح والإرادات.. آهٍ من أثقال التاريخ، ومن الاحتقار وسيل الدم وتلال العجز.. كل الدم المجبول بتراب أرضنا اليوم وفي أندلس الأمس، لاحقني في قرطبة وغرناطة، ولم يتركني منذ غادرتهما في التاسع والعاشر من شهر تشرين الأول/أكتوبر 2004.. إلى اليوم.
عندما زرت المسجد الجامع من الداخل، وجدت كنيسة وصلبانا ومباخر وأيقونات ومظاهر الطقس الكنسي، تحاول أن تغير صورة المكان ووظيفته ومكانته وكل ما يتصل بتاريخه وانتمائه الحضاري وصورته الإسلامية.. شعرت بانتهاك كامل لكل شيء حيٍّ فيَّ.. صور ورموز ذات دلالات أبعد بكثير من انتهاك حُرُمات التاريخ والقلب والنفس، تتناثر في هذا الركن أو ذاك من أركانه.. إنها رموز القهر والضعف، تعصف به على نحو متجدد، وتغرس مخرزا في العين والقلب لكل مِن هم في المكان، ولبعض زواره ممن يشعرون بمعنى انتمائه لهم وانتمائهم إليه؟! هل من الحضارة والتسامح في شيء أن تقام الصلاة لغير المسلمين، في مكان اقتطع من مسجد المسلمين، ويمنعون هم من الصلاة في مسجدهم، حتى وهم زوار لا يفعلون أكثر من المرور بمقدساتهم، وتذكّر ما كان لهم ومنهم في المكان؟! وهل أداء الصلاة في مسجد يحمل أكثر من معنى العبادة.. عبادة الله العلي العظيم، لكل مَن آمن بالله العلي العظيم ووحده؟! التحفة المعمارية في قرطبة، تلك التي ترسخ الحضارة، وترفع رأس المسلمين عاليا، هي المسجد الجامع، يشوهها التعصب الذي يتهم غيره بالتعصب؟! وهذا شيء عُجاب.
لم أقرأ في ذلك المكان إلا كل ما هو جميل وحزين، ولم أنس الخلافات الدموية “خلافات ملوك الطوائف”، وخلافات العرب والمسلمين في زمانهم، التي جعلتهم عامة والعرب في الأندلس خاصة، يضعفون وينهزمون ويسلمون البلاد بعد ثمانية قرون قضوها بُناة ثقافة وعلم وحضارة ودعاة، جعلتهم متحاربين ومحاربين.. وانتهوا ضحايا محاكم التفتيش، قَتلى ومهجَّرين، ومشردين.. و”ومورسكيين” بلا أدنى حقوق للإنسان، يعانون من الاضطهاد والاستبداد.
من محاسن الصدف، أو من الحظوظ الطيبة التي أتيحت لي، في ذلك الوقت، أنني زرت في شهر واحد تقريبا، من بداية تشرين الأول حتى منتصف تشرين الثاني 2004 مسجد قرطبة الجامع، والمدينة القديمة هناك، والقلعة الحرة، ووقفت على الجسر القديم الذي بناه العرب المسلمون فوق مجرى الوادي الكبير في قرطبة، بقناطره الحجرية الجميلة، مع تذكر المعارك على ضفتي الوادي.. واستكملت الصورة بزيارة غرناطة وقلعتها وأبراجها الحصينة، ورأيت منظر المدينة “غرناطة” من تلك الأبراج القادر مَن هو فيها على اصطياد كل من يهدده ويهددها، ومَن يحاول السخرية منه ومن قدراته وطموحاته.. ورأيت من أحد تلك الأبراج حَيَّ “البيَّاضين” المنتشر على أحد السفوح، وهو حيٌّ يتجمع فيه بقايا البقايا من المسلمين، أهل غرناطة، في هذا الزمن. وفي قصر الحمراء وجنة العريف، تذكرت القلعة الحرة في قرطبة والمسجد الجامع فيها، وزرت مدينة الزهراء وما بقي منها من آثار معظمها دارس، وهي على سفح ذلك التل الذي كان جنة خضراء في عهد أهلها الأندلسيين الأحياء، وتذكرت شعراءها وشعرها وطربها والعشق في جنباتها.. وردّدت:
جادك الغيث إذا الغيث همى
يا زمان الوصل بالأندلس
وكأنما أنا أستعيد جلسة لـهذا الشاعر أو ذاك، أو وقفة حزينة يبكي فيها عاشق الزهراء أيامه مع مَ أحب:
إني ذكرتك بالزهراء مشتاقا
والأفق طلق ومرأى الأرض قد راقا
وللنسيم اعتلالٌ في أصائله،
كأنَّه رقَّ لي، فاعتلَّ إشفاقا
لقد جمع الأندلسي في العمارة التي أنشأها، معاني الحياة والحب والجمال، في انسجام مع طبيعة ممتعة، ومتعة طبيعية هي حق للإنسان.. وجمع بين جِنان العريف وبدائع قصر الحمراء ومدينة الزهراء فشكل عِقدا فريدا في جِيد الزمان، وأراد أن يضيف إلى ذلك المشهد ما في جبال إسبانيا المكللة بالثلوج، وما في غاباتها والمروج من زهر أشجار اللوز.. فغرَسَ في تلك السفوح تلك الأشجار، لتبدو عندما تزهر في بداية الربيع، لوحة ناصعة البياض، تتلألأ كما يتلألأ الثلج في القمم تحت أشعة الشمس، فيكون منظر ثلج من زهر أو زهر من ثلج، يحف بقصور مدينة الزهراء التي بنيت لإرضاء “لحبيبة”، قيل إنها حنت لتلك الرؤية، فكان لها ما أرادت، في مدينة هي الزهراء.
في ذلك الوقت، قارنت على قرب من الزمن والمشاهدة المباشرة وبعض الصلة بالذاكرة التاريخية، وبين الواقع الذي نعيش، بين ما تركه الأجداد في عصر من العصور، وبين مآل إليه وضعهم وما تركوا.. وبين ما نحن فيه اليوم، بين الماضي والحاضر، بين ما نقوم به نحن اليوم من فتن وتمزق وتقتيل وتخريب، ومن تثريب على حاضر الأمة وماضيها، وما كان من فتن وأمراض وعلل أدت إلى ما أدت إليه في الماضي.. وتمنيت لو أننا نُحسِن القراءة في مرآة الماضي، فنستخلص العبر، ونستفيد من الدروس.. فسيف الحاضر على الرقاب، ولا بد من أن نصحوا، لنبدأ السير في نهج سليم، على وقع أداء جديد جماعي، عقلاني، مسؤول وجريء حميد.

إلى الأعلى