الثلاثاء 23 يوليو 2019 م - ٢٠ ذي القعدة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / الشورى والتنمية (7 ـ 14) من أوراق المرحلة التأسيسية

الشورى والتنمية (7 ـ 14) من أوراق المرحلة التأسيسية

سعود بن علي الحارثي

خامسا: قطاعات الزراعة والرعي وصيد الأسماك (ب).
الدراسة الأولى (تسويق المنتجات الزراعية)، تمت في إطار المرسوم السلطاني رقم 97/81م، الخاص بإنشاء الهيئة العامة لتسويق المنتجات الزراعية، وجاءت مؤيدة ومنظمة ومساهمة في تقديم الرؤى والأفكار والملاحظات التي تسعى إلى تطوير آليات التسويق، وتعزيز هدف الهيئة في دعم المزارعين وزيادة الرقعة الزراعية، وتحقيق الاكتفاء أو جزء منه على أقل تقدير، وتضمنت مجموعة من المبادئ الخاصة بالسياسات المقترحة لنشاط الهيئة، لذلك طالبت التوصيات ب(استبعاد عمليات الاستيراد من برنامج الهيئة)، وضرورة التزامها بـ(شراء كل الخضراوات والفواكه المنتجة والتي يرغب المزارعون في تسويقها إليها وذلك بأسعار تأخذ في الاعتبار طبيعة كل محصول وحجم إنتاجه وموسمه وأهميته الاستراتيجية بغرض ترشيد الإنتاج)، و(إنشاء قنوات لتسويق المنتجات الزراعية إلى تجار المفرق بالإضافة إلى تجار الجملة). هذه الهيئة العامة لتسويق المنتجات الزراعية، أنشئت لدعم وتشجيع المزارعين العمانيين، وضمان تطوير القطاع الزراعي وزيادة رقعته، وتحقيق الاكتفاء الذاتي في السوق المحلي وخلق أنشطة متنوعة من النشاط الفعلي أو الأساسي، وتوفير فرص عمل كريمة لعدد من العمانيين في هذا المجال والحرص على إنتاج زراعي خالٍ من الكيماويات والأمراض والممارسات الخاطئة الهادفة إلى تحقيق الربح السريع وتخريب الأراضي الزراعية، كما هو حادث الآن، ولا يزال إلغاء هذه الهيئة يثير التساؤلات حتى اليوم، لماذا ألغيت؟ ولمصلحة من؟ وما هي نتائج إلغائها على القطاع الزراعي وعلى سياسات التنويع من ناحية والأمن الغذائي من ناحية أخرى؟ ما زلت أذكر مقر الهيئة بخلف مركز شرطة روي كان يمتلئ بالمتسوقين والمنتجات الزراعية العمانية التي كنا نفتخر بها، وكان بالإمكان تطويرها، ولكن من المؤسف أن تنتهي وتتبخر معظم المشاريع المهمة بهذا الشكل. أوصت دراسة (التنمية الزراعية، بـ(التركيز على التوسع الرأسي في الأراضي الزراعية وإعداد برامج لزيادة قدرتها الإنتاجية عن طريق استعمال الآلات الحديثة وأنواع البذور المحسنة والاستغلال الأمثل للمخصبات، بالإضافة إلى برامج التدريب اللازمة لاستيعاب تلك الأساليب الحديثة). و(تطوير مراكز الإرشاد فنيا، زيادة عدد المرشدين، إنشاء الحقول الإرشادية وحصرها في المزارع التي بها عمالة عمانية، إعداد برامج مكثفة لتدريب جيل من المرشدين العمانيين من بين العاملين …) جملة من الأفكار تتضمنها توصيتين لتطوير الزراعة وزيادة إنتاجيتها وتحسينها واستخدام التقنيات الحديثة والتدريب والتأهيل لتحقيق ذلك… (منح الأولوية في توزيع الأراضي الزراعية الجديدة للمزارعين المتفرغين مع التأكد قبل توزيع هذه الأراضي من صلاحية التربة الزراعية للإنتاج، توافر مصادر المياه، مدى تأثير استغلال المياه في الأراضي الجديدة على الأراضي المزروعة سابقا، ومدى جدية طالب الأرض الجديدة)، هل فعلا أخذنا بهذه المعايير والشروط في توزيع الأراضي الزراعية؟ الواقع ينفي ذلك بالطبع، وما زال بعضها والتي تبلغ عشرات الأفدنة غير مستغلة حتى اليوم. توصيات أخرى تؤكد على دور مراكز البحوث في إجراء الدراسات المتواصلة لتحسين جودة الشتلات والبذور واستخلاص فسائل متميزة من النخيل يتم إنتاجها وتوزيعها على المزارعين … دراسة شاملة متكاملة أخذت في الاعتبار حتى تقصي ورصد احتياجات السوق المحلي من المنتجات الزراعية، والعمل على الاستثمار في القطاع الزراعي بما يحقق أقصى قدرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي. الدراسة الأخرى، المتخصصة في التنمية الزراعية والحيوانية استندت إلى العديد من الزيارات الميدانية إلى المناطق الزراعية ومناطق التربية الحيوانية المختلفة ومحطة البحوث والمعمل البيطري بالرميس، واجتماعات مكثفة مع مسؤولين في وزارة الزراعة والأسماك والمناطق الزراعية … وركزت التوصيات على المشاكل التي تواجه المزارع والمربي العماني والإمكانات الفنية والمادية والتسويقية اللازم توفيرها لتحقيق التنمية المنشودة لهذا القطاع الحيوي، من بين أهم التوصيات المطالبة بإعداد (دراسة عن الاحتياجات الاستهلاكية للسلطنة من لحوم الحيوانات تتضمن أسلوب تطوير المراعي والإنتاج المحلي من اللحوم لتوفير أقصى نسبة من هذه الاحتياجات)، ودراسة فنية أخرى لـ(تحديد وسائل إثراء المراعي الطبيعية مع إعداد خطة للحد من زيادة تكاثر المواشي بما يزيد عن إمكانيات هذه المراعي)، (تعميم نتائج البحوث الخاصة بإنتاج سلالات محسنة من الأبقار والأغنام إلى جانب توفير كميات من السلالات المحسنة لتوزيعها على أكبر عدد من المربين)، وكذلك (إجراء دراسة لتشجيع الاستثمار في تربية الدواجن مع توفير الحوافز اللازمة في صورة أعلاف بسعر مدعم ورعاية بيطرية مناسبة)، كان اقتصادنا ومتطلبات أمننا الغذائي ولا يزال في أمس الحاجة إلى هذه الدراسات الفنية التي تتلمس متطلبات السوق وتستشرف المستقبل وقدرات الموارد والأنشطة الحالية الزراعية والحيوانية والسمكية على تحقيق الاكتفاء والإسهام في تنويع مصادر الدخل واستخدام التقنيات والوسائل الحديثة وتطور العلم في تحسين وزيادة الإنتاج بإنشاء المزيد من المراكز البحثية والدراسات. الدراسة الخاصة بـ(دعم وسائل استمرارية الصيادين وأبنائهم في حرفة الصيد)، أعدت بدافع من عزوف الصيادين العمانيين وأبنائهم عن الاستمرار في مهنة الصيد، ومن أجل التعرف على الأسباب قامت فرق من المجلس الاستشاري للدولة بزيارات إلى مراكز تجمعات الصيادين على طول المناطق الساحلية، للتعرف على مشاكل الصيادين ومقترحاتهم للاستمرار في مزاولة هذا النشاط المهم. وقد أعدت اللجنة الاقتصادية توصياتها لضمان استمرار الصيادين في نشاطهم وتنميته على المدى الطويل، ومساعدتهم على تعديات الشركات الكبيرة التي مثلت الهاجس الأكبر (ضرورة تطبيق وزارة الزراعة والأسماك لنظام واضح ومحدد لمناطق وأساليب صيد الشركات الوطنية أو الأجنبية التي تمنح امتيازات الصيد مع وضع التشريعات الكفيلة بمنع أي تجاوزات)، هذه الشركات ضيقت كثيرا على الصيادين العمانيين وعندما قمنا بزيارات ميدانية لعشرات من مواقع الصيد وعقدنا لقاءات مع الصيادين، بعد سنوات من إعداد هذه الدراسة، سمعنا مر الشكوى منهم عن عمليات الهدر والتخريب والجرف في حق مناطق الصيد والأماكن الحاضنة للثروة السمكية ونموها، وممارسات وأساليب التضييق التي تمارسها عليهم في مناطق صيدهم. لذلك طالبت الدراسة بـ(عدم منح امتيازات صيد جديدة لشركات أجنبية وقصر نشاط الصيد بالوسائل المتطورة في المدى الطويل على الشركات العمانية مع التزامها بامتلاك سفن الصيد التي تستعملها وإيجاد كادر عماني متخصص)، فهل أصدرنا التشريعات واللوائح التي تنظم عملية التعامل مع ثروتنا السمكية وأخذنا التوصيتين أعلاه على محمل الجد؟ طالبت الدراسة كذلك ولتشجيع ودعم الصيادين العمانيين بـ(إنشاء معهد تدريب على وسائل الصيد المتطورة)، و(تشجيع إنشاء المراكز المحلية لتسويق الأسماك الطازجة والمثلجة للمستهلك وفصلها عن مواقع تسويق الخضار واللحوم) وعشرات التوصيات الأخرى التي تضمنتها الدراسة لحماية هذا القطاع الحيوي. دراسة أخرى سعت إلى إنقاذ محاصيل شجرة الليمون، وتضمنت توصيات مهمة لتذليل الصعوبات التي تواجه تسويقه الطازج منه والمجفف على السواء في الأسواق المحلية أو الخارجية، والدراسة سبقت بسنوات ما أصاب الليمون العماني من آفات زراعية في مقدمتها مرض مكنسة العجوز التي قضت عليه للأسف الشديد بعد أن كان الليمون العماني يصدر إلى الخارج بوفرة كبيرة. استراتيجية التنمية الزراعية والثروة الحيوانية، واحدة من أهم الدراسات التي أعدها المجلس الاستشاري للدولة، فقد تضمنت توصياتها ثلاثة أجزاء وهي:
• الاستراتيجية الخاصة بتطوير وتنمية المناطق والتجمعات السكانية الحالية وأخذت المحاور التالية: توسيع قاعدة المعلومات – البحوث الزراعية والحيوانية – التخطيط والمتابعة – أهداف التخطيط الزراعي والثروة الحيوانية.
• دور الحكومة في النشاط الزراعي التقليدي والثروة الحيوانية، عبر الدعم الفني لعوامل الإنتاج الزراعية المحلية – الدعم الفني لمستلزمات وخدمات الإنتاج – الدعم المالي للمزارعين – التسويق الزراعي…
• استراتيجية خاصة بإنشاء وتنمية مناطق زراعية ورعوية جديدة بـ(إجراء دراسة شاملة لتحديد مواقع الأراضي الصالحة للزراعة أو القابلة للاستصلاح الزراعي والتي تتمتع بمخزون مائي وفير).
الدراسة الخاصة بـ(تأثر الأفلاج وسواعدها بالآبار القائمة بالقرب من أمهاتها)، أحيلت إلى المجلس الاستشاري للدولة بتوجيهات سامية، إدراكا من جلالة السلطان بـ(أهمية المحافظة على الأفلاج باعتبارها مصدرا تاريخيا وحيويا من مصادر المياه في عمان)، وقد شكل المجلس لجنة خاصة لدراسة هذا الملف وتفرعت من اللجنة الرئيسة فرق عمل زارت معظم المحافظات والولايات والقرى التي تتواجد فيها الأفلاج والتقت بمسؤولين ومختصين بالنواحي العلمية والفنية في العديد من المؤسسات الحكومية والمشايخ والمواطنين وعرفاء الأفلاج وأصحاب الآبار التي تشكل تهديدا لها، وكنت ممن رافق فرق العمل وكنا نقيس حتى المسافة بين أقرب بئر ورأس الفلج القريب منها للتأكد من ضررها، وأعددنا عشرات التقارير التي تقدم وصفا دقيقا لتاريخ بعض الأفلاج وأهميتها وتأثيرات الآبار والمزارع الحديثة عليها، وأؤكد اليوم بأن هذه الدراسة العميقة والواسعة التي أعددتها اللجنة قد ساهمت بفاعلية في الحفاظ على الكثير من الأفلاج الكبيرة والمهمة التي كانت على وشك التوقف بسبب تهديدات الآبار التي تحيط بها في عشرات المزارع الترفيهية، لأن توصياتها كانت محل اهتمام جلالة سلطان البلاد مباشرة، ولأن اللجنة أخضعت المعلومات والأبحاث التي توصلت إليها للدراسة والنقاش وخلصت بعد اجتماعات مكثفة إلى توصيات غاية في الأهمية من أهمها (وضع تشريع مائي ينظم استخدامات المياه والمحافظة عليها وتحديد جهة واحدة تتولى مسؤولية حماية الأفلاج وتنفيذ القوانين واللوائح والقرارات المتعلقة بها مع إيجاد جهاز للرقابة على حفر الآبار)، وهذا ما حدث فعلا، وعندما تنفذ مثل هذه التوصيات تكون النتائج مثمرة وتتحقق الأهداف والغايات. الدراسة الأخيرة الخاصة بـ(دعم وتنمية موارد الثروات الزراعية والحيوانية والسمكية وإزالة معوقاتها وتشجيع الصناعات الخاصة بها)، أوصت بـ(وضع الضوابط التي تضمن حسن توزيع واستغلال الأراضي الزراعية)، و(تسويق المنتجات الزراعية بما يخدم المزارع والمستهلك ويعمل على تشجيع الزراعة في البلاد وضرورة إعطاء الأولوية للمنتجات الزراعية المحلية في المشتريات الحكومية)، و(إنشاء صناعات لاستغلال المنتجات الحيوانية)، و(توسيع قاعدة التعليم الزراعي وتشجيع القطاع الخاص للمساهمة في الاستثمار في مجال الزراعة… ومنح مزيد من الرعاية للصيادين وتشجيع الصادرات الزراعية العمانية وخلق الحوافز لاستغلال المواد الخام الزراعية والسمكية…)، واليوم بعد استيعاب المجتمع لدرس النفط البلغ وأحداث الخليج العميقة تتبارى الأقلام والعقول والأفكار التي تطالب بالإسراع لتحقيق غايات التنويع الاقتصادي ومتطلبات الأمن الغذائي، ولكن أصحاب القرار لم يعيروا اهتماما بالكثير من دراسات المجلس الاستشاري للدولة آنذاك، فهل الفرص لا تزال سانحة ومتوفرة ؟

Saud2002h@hotmail.com

إلى الأعلى