الثلاثاء 23 يوليو 2019 م - ٢٠ ذي القعدة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق : مكتبة مجلس عمان.. حاضنة الفكر والثقافة البرلمانية

في العمق : مكتبة مجلس عمان.. حاضنة الفكر والثقافة البرلمانية

د. رجب بن علي العويسي

هُناك.. حيث قبة المجد التي انطلقت منها مسيرة الشورى العمانية، حيث تُنتج مشروعات القوانين، وتتعاظم قيمة الحوار، وتتفاعل أجندة العمل، وتتناغم مسارات الأداء، وحيث العطاء بلا حدود، والعمل بلا توقف، في تنظيم وسلاسة، وحركة دائمة من النجاحات التي يشبه عقارب الساعة، وتحت القبة البرلمانية الشامخة في جمالها وجلالها وعظمتها، تتوسط جناحي العطاء، مجلسي الدولة والشورى، وهو يسير بعون الله في فتح آفاق جديدة، يغرد داخل سرب الوطن، ويتفاعل مع كل المعطيات التي باتت تشكل مسار البرلمان كمؤسسة تشريعية، لصناعة سياسات تنموية أكثر نضجا قادرة على التحليق في فضاءات العالم، حاملة معها رسالة العمل والإنجاز، والتكامل والتناغم، معلنة صوت القوة للوعي والاختيار للأفضل في أحد جناحيه في من يمثل المواطنين، وفي جناحه الآخر حيث الخبرة والريادة والكفاءة والتجربة والنضوج الفكري في صناعة القرار واستدامته؛ هناك .. تتربع مكتبة مجلس عمان، حيث صخب المعرفة، وهدوء الفكرة، وعمق البحث، وجودة المنتج، وشغف الاطلاع، وقيمة التأمل، ودقة التنظيم، وهيبة المكان وعظمته وهدوؤه وأريحيته، وجمال منظره وجلال مصدره، سامقة بما تحتضنه من حدائق المعرفة، ومنصات القراءة، ومحركات البحث، وأرفق الكتب والمذكرات، مزهرة بنور المعرفة ودررها، وتنوع الكتب والمخطوطات في عناوينها المتعددة، لتصبح مكتبة مجلس عمان شاهدة على عظم هذا المبنى، حاضرة في ذاكرة العطاء، وهي تحيى في النفس المهم القراءة، وشغف الاطلاع والمعرفة والبحث، لتسكب من بحور المعرفة وألوانها دررا، وتبني في تنوعها وتعددها مساحات عطاءها دولا، تزدان بها مسيرة العلم، وتنمو فيها وجدانيات المعرفة، وتستريح فيها الأفكار المهذبة بلون البحث، لتبقى ذاكرة لن تنسيها الأيام، أو تسلب مواردها الأزمان فيمن يستشعر قيمة المعرفة الحقة وهي تستوطن القلوب والأفكار، ويتحسس موقعها باحثا وقارئا وكاتبا ومتصفحا.
لقد أضفى الموقع الحساس الذي تشغله مكتبة مجلس عمان في قلب مجلس عمان النابض بالعطاء والإنتاجية أهمية كبيرة في تحقيق رسالتها نحو التميز في دعم العمل البرلماني وتعزيز الثقافة المعرفية عامة والبرلمانية والشورية والقانونية بوجه خاص، لتتناغم مع مسارات العمل في المجلسين، وتستجيب لدواعي الاحتياج المعلوماتي والمعرفي في عمل لجانهما ومراكزهما المتخصصة، وهو طموح ينقلها إلى رؤية الريادة في تقديم المعلومة المنتجة في المجالات التشريعية والقانونية والرقابية، بما يساعد أعضاء مجلسي الدولة والشورى في القيام بمهامهم، لذلك تتفرد كثيرا عن غيرها من المكتبات ومصادر المعرفة الوطنية، لكونها أكثر تخصصية، والأقرب في ارتباطها بطبيعة الاحتياج، لتصبح محطة التقاء، ومدرسة فكرية، ومرصدا معرفيا بما تتيحه من فرص الاطلاع، وما تتميز به من تجديد مستمر في العناوين، مستفيدة من كل المستجدات الحاصلة في قواعد البيانات العالمية، يقوم عليها كادر وطني مؤهل يمتلك حس المعرفة، وحدس الاختيار، وفق سياسة واضحة ومرتكزات رصينة، وطموح بأن تصبح مكتبة مجلس عمان إحدى المكتبات الوطنية المنافسة في استقطاب الزوار والقراء والباحثين والمتخصصين، فهي إحدى محطات الزيارات التي يقوم بها طلبة المدارس والجامعات أو الوفود الرسمية الداخلية والخارجية لمجلسي الدولة والشورى، ومائدة معرفية تزخر بالعناوين البرلمانية والشوروية والقانونية المتخصصة التي تمنحها حضورا فكريا في أذهان كل من سمع عنها أو وصل إليها، أو استفاد من خدماتها.
ذلك أن بناء ثقافة شوروية برلمانية يرتبط بجملة من الموجهات الداعمة لتحقيقها في الواقع (تعليما، وتدريبا، وإعلاما)، وأولها وجود مكتبات ومراكز مصادر التعلم وقواعد البيانات المعرفية المتخصصة التي تضع الفكر والثقافة والمعرفة البرلمانية إحدى أهم أولوياتها، بما تقدمه من خدمات الحصول على أكبر قدر من الإنجاز البشري كالمراجع والمصادر والكتب والدوريات وأوراق عمل المؤتمرات والإصدارات ذات العلاقة بالعمل البرلماني، أو عبر تيسير استخدام هذه البيانات من خلال الاشتراك في قواعد البيانات العالمية، وتسهيل الحصول على معرفة متكاملة تضمن قدرة المستفيدين من خدمات المكتبة في الحصول على مصادر المعرفة المتخصصة في المجال، كما أن عمليات الدعم والمساندة اللوجستية، وتوفير الأدوات والآليات والخدمات الحاسوبية وخدمات النسخ والمسح الضوئي، وتوفير الفهارس المناسبة وآليات التوثيق وغيرها، المساحة التي تصنع شعورا إيجابيا وتفاؤلا ذاتيا في المستفيد بحاجته المستمرة إلى المكتبة وعودته المتكررة إليها، وشغفه المستمر بمعرفة ما يستجد فيها من المصادر المعرفية والمعلوماتية والخدمات؛ كونها معايير داعمة لتحقيق الجودة في الخدمة المكتبة، وتحقيق التنافسية في رصيد أعداد الزوار والمتابعين لموقع المكتبة شخصيا أو دخولهم إلى مواقعها الإلكترونية ومنصاتها التواصلية المختلفة، بما يوفره هذا النهج من مؤشرات وإحصائيات وعمليات رصد مستمرة تشكل بمثابة خطوة مهمة في سبيل المراجعة والتقييم والتطوير، وهو ما أدركته مكتبة مجلس عمان وعمل القائمين على المكتبة على تحقيقه، لاستشعارهم بحجم المسؤولية وعظم الأمانة والقيمة المضافة الناتجة من قدرة المكتبة على إحداث تحول في ثقافة المستفيدين منها، وتعزيز فرص أكبر للاستفادة من خدماتها، وتعميق الشعور الإيجابي بدورها في حياة من وجدت المكتبة من أجلهم، وسعت إلى دعمهم ومساندتهم في مهام عملهم، التي تستدعي منهم البحث والاطلاع والرصد المستمر للتطور الحاصل في مجال العمل البرلماني.
كما أن ما تتضمنه مكتبة المجلس من تنظيم وأرشفة، عزز من سهولة استخدامها وأريحية التعاطي في البحث عن محتوياتها، فتقسيمات المكتبة الداخلية توحي بالكثير من الدلالات التي تراعي مفهوم المعرفة المتكاملة والتجانس بين التخصصات، بما تحتويه في أرففها من مجموعات عامة تضم مؤلفات مختلفة في البرلمان والشورى والقانون وعلوم السياسة والاقتصاد وأنظمة الحكم وقضايا الدفاع والشؤون الاستراتيجية وغيرها، ومجموعات المراجع بما تضمه من دوائر المعارف والموسوعات والقواميس والفهارس، والمجموعات العمانية بما تمثله من الكتب والمطبوعات ذات العلاقة بالشؤون البرلمانية والتشريعية والقانونية والرقابية، والوثائق البرلمانية التي يصدها مجلسا الدولة والشورى، والإصدارات والمطبوعات الصادرة من المؤسسات الحكومية والمراكز البحثية والمؤسسات الأكاديمية بالسلطنة، بالإضافة إلى ما تقدمه المكتبة من خدمات نوعية تتناسب وفئات المستفيدين منها، تتيح لهم فرص الحصول على المعلومات والمعارف التخصصية التي يحتاجونها عبر الخدمات المرجعية، وما يقوم به الكادر الوظيفي من توجيه وإرشاد المستفيدين من خدمات المكتبة في الحصول على المعلومات المبتغاة، أو من خلال الإحاطة المستمرة للمستفيدين منها بالمجلسين وإعلامهم بصورة مستمرة بما يرد إليها من خدمات حديثة، أو عبر خدمات الإرشاد والتدريب على عمليات البحث والفهرسة للوصول إلى المصادر المطلوبة بأسرع وقت، وما تطلبته رؤية التطوير والمنافسة والريادة والاتساع التي تنتهجها المكتبة، من اشتراكها في قواعد البيانات العالمية للحصول على أكبر قدر من المراجع والكتب ومصادر المعلومات العالمية في المجالات ذات العلاقة، بما يعزز من دور المكتبة في نشر الثقافة البرلمانية، ولعل اشتراك المكتبة في قواعد البيانات الإلكترونية، مثل: قاعدة بيانات دار المنظومة، وقاعدة بيانات proqoust، وقاعدة بيانات e-book proqoust، وقاعدة البيانات العربية المتكاملة “معرفة”، مساحاتها تطويرية تستهدف تمكين الأعضاء والباحثين من المجلسين من مواكبة ما يجري في العالم من معارف وإنتاج علمي ومعرفي رصين في مجال الاختصاص، لتظل مكتبة مجلس عمان منارة معرفية شامخة، حاضنة للفكر البرلماني الرصين في أوسع مداخله وأدق تفاصيله، وتنوع مفرداته وتعدد مفاهيمه ومصطلحاته، ليشكل وحدة متكاملة في الفكر البرلماني المؤطر والمعرفة المستند على الدلائل والشواهد والأحداث تعززه أنشطة المجلسين وتتفاعل معه أرصدة نجاحاتهما.
إن مكتبة مجلس عمان في فلسفتها واستراتيجية عملها والإطار الذي تعمل عليه والتوجهات التي تسعى لتحقيقها منطلقة من السياسات العامة للدولة ذات العلاقة ليس مجرد مكتبة تضم قائمة طويلة من العناوين فحسب، فإن ما تشكّله من موقع مهم في المجلس والرؤية التي تسعى لتحقيقها، والأبعاد النوعية التي تقرأها في ظل الصلاحيات التشريعية والرقابية لمجلس عمان، امتدادا لبناء جسور التواصل، وتعميق ثقافة البرلمان في فقه النشء واهتماماتهم، ومنطلق عملهم وآلية تفكيرهم، وضمان قدرتهم على الاستفادة من محتوياتها وخدماتها بما يعزز من ثقافة البرلمان، وهي مسألة باتت لها أهميتها اليوم في واقعنا العماني المعاصر، فالإيمان بقيمة التدريب البرلماني والإعلام البرلماني والثقافة البرلمانية وتعزيز مسارات الوعي بدور الشورى والبرلمان وما يمثله مجلس عمان من دور في الحياة التشريعية والمؤسسية العمانية، وقدرة المؤسسات الإعلامية والصحافة والصحفيين والباحثين والمؤسسات الأكاديمية على الدخول بعمق في هذا المجال والتعاطي بفاعلية مع مدخلاته وتشعباته وفهم أعمق للكثير من القضايا المرتبة بالانتخابات والترشيح والاختيار وحقوق أعضاء البرلمان وواجباتهم والقواعد السلوكية البرلمانية، والتعمق في إنجازات المجالس التشريعية البرلمانات العالمية والإقليمية وغيرها، وتناولها بالدراسة الأكاديمية والبحث العلمي والتحليل والتشخيص، يستدعي تقوية مراكز المعرفة الداعمة للعمل البرلماني وتحويلها إلى منصات للنقاش والحوار والرصد لنواتج عملها، مستفيدة من أفضل الممارسات العالمية المكتبية في نشر الثقافة البرلمانية وتقديمها للطلبة والباحثين، في ظل تقوية مساحات التوجيه والإرشاد والتدريب، وهو ما يمكن أن يصنع من المكتبة في قادم الوقت دورا محوريا في تعزيز ثقافة عمل مجلسي الدولة والشورى، وبناء ثقافة إيجابية فاعلة في التعريف بدور البرلمان ومسؤولياته، ونعتقد بأن مكتبة مجلس عمان تمتلك القدرة والكفاءة والاستراتيجيات التي تساعدها على تحقيق هذه الطموحات، في ظل تعدد الشراكات مع المراكز البحثية والمؤسسات الحكومية والأكاديمية بالسلطنة، أو كذلك مع المكتبات البرلمانية العالمية، لتجسد في غاياتها وفلسفة عملها، مسيرة العطاء المباركة التي انطلقت من مجلس عمان أشعة نورها، وحلقات تطورها من أجل حاضر عمان ومستقبلها المشرق.

Rajab.2020@hotmail.com

إلى الأعلى