الثلاثاء 22 يناير 2019 م - ١٥ جمادي الأولي١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / إحسان عبد القدوس.. عندما يصنع الإبداع بعيدا عن جلباب أبيه في ذكرى رحيل الروائي الكبير التاسعة والعشرين

إحسان عبد القدوس.. عندما يصنع الإبداع بعيدا عن جلباب أبيه في ذكرى رحيل الروائي الكبير التاسعة والعشرين

رغم مرور ما يقارب الثلاثة عقود على رحيله، وتحديدا في يوم 12 يناير/كانون ثاني من عام 1990، ما زال إحسان عبد القدوس حاضرا برواياته، بشخصيته المبدعة، وبقلمه الذي خط ما يلمس أعماق الكيان الاجتماعي في زمن سادت فيه ثقافة الممنوع والخط الأحمر في الكتابة، فقد نشأ في بيئة جمعت بين النقيض ونقيضه، إذ كان جده لوالده الشيخ رضوان متدينا محافظا يلزم أفراد العائلة ومن بينهم إحسان بالمحافظة على أداء الفروض الدينية، كما فرض على نساء العائلة عدم الخروج إلا بحجاب، بينما كانت والدته روز اليوسف متحررة في الفكر والتوجهات لها صالونها الأدبي الذي تعقد فيه ندوات حوارية ثقافية وسياسية، كان يتواجد فيها كبار الشعراء والأدباء والسياسيين ورجال الفن، كما أنها أسست مجلة روز اليوسف، فينشأ الفتى متأثرا بالنقيضين دون الإخلال أو الإفراط بأحدهما، غير أن نضجه الفكري ودراسته وقراءته لواقع المجتمع جعلته أكثر ميلا فيما بعد لأن يخرج من جلباب أبيه، مما أسهم بشكل جوهري في صقل موهبته وأثر في طبيعة كتاباته ونتاجاته الروائية.
ولسنا هنا لذكر نتاجاته التي تجاوزت ستمئة عمل تقريبا، لكننا نستحضر تاريخ هذا الروائي الذي أثار الرأي العام تارة معه وتارة ضده. لقد ورث عن والدته تحرر العقل والفكر والقدرة على طرح هموم وقضايا الإنسان والشباب وتسليط الضوء على جوانب الخلل في المعتقدات السائدة، ورسم بكلماته مسارات عديدة لتصحيحها وتغيير البالي منها، بالرغم من الانتقادات العنيفة التي طالته هو شخصيا، لكنه لم يتوانَ عن الاستمرار في طرح العديد من القضايا والمسائل التي تخص واقع المجتمعات العربية بشكل عام وواقع المجتمع المصري على وجه الخصوص.
قدم إحسان عبد القدوس في رواياته أسلوبا خاصا يحاكي الواقع دون رتوش أو ادعاء للمثالية في كل ما كان متأصلا فيه من عادات ومعتقدات، مسهما في ذلك بإحداث نقلة نوعية فريدة في الأدب الروائي العربي، ونجح في الخروج من المحلية إلى العالمية، متخذا طريقه نحو الدعوة والإيمان بالتحرر الفكري والاجتماعي والأدبي، من خلال طرح المشكلات الاجتماعية التي كانت سائدة في تلك الفترة بواقعية أكبر ووضع تصورات لحلها أو للخروج منها بأقل قدر من الانعكاسات السلبية. وعلى الرغم من المنافسة الشديدة التي أفرزت زخما روائيا في تلك الفترة بفضل وجود كل من نجيب محفوظ، ويوسف السباعي وتوفيق الحكيم والمازني وغيرهم، إلا أن رواياته استطاعت أن تجذب الأنظار إليها فتتحول إلى أعمال درامية وسينمائية حصدت بعد عرضها العديد من الجوائز المحلية والعالمية كأحسن رواية وقصة، ولعل الفارق بين روايات نجيب محفوظ ورواياته هو أن الأول كان يخاطب بها المجتمع البسيط الشعبي البعيد عن الثقافة، إضافة إلى كون روايات نجيب محفوظ تناولت فترات تاريخية مرت على مصر، فأصبح قارئ رواياته وكأنه يستحضر أحداثا أو شخصيات قديمة لم يعد لها وجود في العصر الحديث ولا تمس واقعه الذي يعيشه، وهو ليس انتقاصا من قدر محفوظ العالمي صاحب جائزة نوبل، ولكن إحسان عبد القدوس كان أقرب إلى جيل الشباب والمثقفين في تلك الفترة وصولا إلى يومنا هذا، وكان جديرا بنقل الصورة المعاصرة بواقعية أكبر.
لم يمنعه الانشغال بالكتابة الروائية عن خوض المضمار السياسي، فبعد توليه رئاسة تحرير مجلة روز اليوسف خلفا لوالدته، بدأت تظهر مقالاته التي عبر من خلالها عن رفضه للواقع السياسي في مصر، وتعرض للسجن والاعتقال. ومن أهم القضايا التي طرحها قضية الأسلحة الفاسدة التي نبهت الرأي العام إلى خطورة الوضع. كما تعرض لعدة محاولات اغتيال، وتم سجنه بعد ثورة يوليو 1952 مرتين في السجن الحربي، وأصدرت السلطات حكما بإعدامه، غير أن عفوا صدر من رئاسة الجمهورية وقتها وخرج إحسان من السجن لمواصلة مسيرته العظيمة في الكتابة الأدبية التي لم تخل من نقد واضح للوضع السياسي للبلاد.
حصد أديبنا الراحل على العديد من الجوائز، حيث منحه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى، كما منحه الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك وسام الجمهورية، وحصل على جائزة الدولة التقديرية في الآداب سنة 1989. ومن الجوائز التي حصل عليها كانت الجائزة الأولى عن روايته: دمي ودموعي وابتساماتي عام 1973، وجائزة أحسن سيناريو لفيلم عن روايته الرصاصة لا تزال في جيبي.
لقد عاش هذا الروائي بنتاجاته في وجدان جيل بأكمله، وامتدت سيرته وأعماله وصولا إلى الجيل الحالي، وستبقى أعماله خالدة كلما شاهدناها سينمائيا أو تلفزيونيا أو مسرحيا، وكلما سافرنا لنجدها مترجمة ويقرؤها الكثيرون حول العالم.

د.مسعود بن سعيد الحضرمي
msn.7887@hotmail.com

إلى الأعلى