الثلاثاء 26 مارس 2019 م - ١٩ رجب ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / القوة الناعمة للإرهاب

القوة الناعمة للإرهاب

محمد بن سعيد الفطيسي

نقل عن “أيمن الظواهري” زعيم تنظيم “القاعدة” قوله (… إننا نخوض أكثر من نصف معاركنا في الساحة الإلكترونية والإعلامية), وقدم نصيحة لكوادره قائلا: (عليكم أن تدركوا أن كل لقطة تلتقطونها هي بأهمية صاروخ يطلق على العدو…).
عبر هذا الاتجاه الحديث في صناعة وتطور الإرهاب. ومنذ فترة ليست بالقصيرة تنبهت العديد من التنظيمات والجماعات الإرهابية والمتشددة إلى أهمية الساحة الافتراضية والقوة الناعمة في تشكيل وبناء الوعي الجماهيري من جهة، وكذلك إلى أهمية التقنية والتكنولوجيا والإعلام الإلكتروني في ترجيح كفة الصراع وموازين القوة في حروب المستقبل.
حيث تشكل شبكة الإنترنت ووسائل الإعلام الجديد خصوصا الإلكترونية منها, ومواقع ووسائط الاتصال والتواصل الاجتماعي وتناقل الخبر والمعلومة وفي مقدمتها الفيس بوك FACE BOOK، وتويتر TWITAR , والواتساب WhatSapp على سبيل المثال لا الحصر, واحدة من أهم القوى الناعمة التي تؤثر على السياسات والتوجهات العالمية والقرارات السياسية والاقتصادية وغيرها في القرن الـ21, وبعبارة أخرى، أن تلك الوسائل والوسائط الجديدة باتت تلعب دورا كبيرا جدا وجذري وحاسم في تحويل وتغيير وبناء السياسات الوطنية والدولية.
كما أنها – أي تلك الوسائط والوسائل ـ قد أصبحت اليوم جزءا لا يتجزأ أو يمكن الاستغناء عنه من ثقافة عالمية وكونية عابرة للقارات، وهذا من جهة, أما من جهة أخرى, وهو ما نود الإشارة إليه هنا على وجه الخصوص, وهو أن تلك الأدوات الإعلامية الحديثة سالفة الذكر قد تحولت إلى أسلحة إعلامية وأيديولوجية بالغة الخطورة والفتك.
كان من بين ذلك استغلال المنظمات والتنظيمات الإرهابية والمتطرفة لها الاستغلال الإعلامي الأمثل، وذلك للتسويق والدعاية لأفكارها وتوجهاتها وأيديولوجياتها وعقائدها السياسية والفكرية, كذلك فقد مثلت لها تلك الأدوات السلاح الفتاك والقادر على بث الرعب والإرهاب في كل أنحاء العالم من خلال بث مشاهد تقطيع الرؤوس وحرق الأشخاص والتهديد بمختلف أشكاله، وعلى رأسه الابتزاز المالي والجنسي للعديد من الشخصيات بهدف الحصول على المال أو لإسقاط الحكومات وبعض الشخصيات المسؤولة أو لضم الشباب إلى قافلة الانتحاريين, كما تمكنت تلك التنظيمات ومن خلال تلك الأدوات والوسائل من اختراق العديد من المؤسسات العسكرية والسياسية الاستخباراتية العالمية في حرب إعلامية وأمنية مضادة تواجه فيها ما يسمى بالتحالف الدولي لمكافحة أو مواجهة الإرهاب.
وقد أكدت دراسة أعدها معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى وتناولت قضية تمويل الجماعات الإرهابية والتغير الذي طرأ على هذا التمويل بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، علاوة على جهود الإدارة الأميركية لمكافحة الإرهاب, وحملت الدراسة عنوان: “تعقب النقود. إيجاد وتعقب وتجميد أموال الإرهابيين, أعدها كل من “ماثيو ليفيت مدير برنامج شتاين لمكافحة الإرهاب والاستخبارات بالمعهد ومايكل جوكبسون الأستاذ المشارك بالبرنامج ذاته” (أن العولمة والتغير التكنولوجي كان لهما تأثير كبير على تمويل الإرهابيين, فبسبب العولمة تزايد حجم الأموال المتدفقة عالميا بصورة دراماتيكية… ونتيجة للتحول الكبير في استخدام التكنولوجيا في التجارة الدولية، فقد حدثت تحولات في طريقة نقل الأموال، من قبيل استخدام تكنولوجيا “إم – بايمنت M-payment”، حيث تستخدم الهواتف الجوالة لنقل الأموال إلكترونيًّا، علاوة على زيادة أهمية نقل وتخزين الأموال عبر كيانات إلكترونية مثل cashU أو e-gold. وفي الدول التي لا يوجد فيها قطاع مالي صارم، كدول كثيرة في إفريقيا، يصبح استخدام الهواتف الجوالة أكثر جاذبية لنقل الأموال.
و(يعتمد المتخصصون والأكاديميون عدة مسميات للتعبير عن التوسع في ظاهرة استخدام شبكات التواصل الاجتماعي من قبل جماعات إرهابية وجهادية، منها: الإرهاب “الإلكتروني” أو “الرقمي” أو “الافتراضي” أو “الشبكي”، فقد تمكنت معظم التنظيمات الإرهابية شبه المنظمة من امتلاك أدوات المعرفة والتقنية اللازمة لاختراق العالم الافتراضي بدرجة كبيرة , وتكفي الإشارة إلى زيادة عدد المواقع المحسوبة لجماعات إرهابية عالمية ـ وصلت إلى ما يقارب من 50 ألف موقع مع نهاية العام 2017م ـ ومن الملحوظ أن تنظيم “القاعدة” كان له السبق في الاعتماد على المواقع الإلكترونية لتحقيق الأهداف الاستراتيجية، وتسهيل القيام بالعمليات التكتيكية)(1)
وبصورة عامة فقد كان للإنترنت تأثير كبير على التمويل الإرهابي، حيث وفر وسائل رخيصة وسريعة وذات كفاءة وأكثر أمانًا من الناحية النسبية، وهو الأمر الذي أكده تقرير أمني استخباراتي للحكومة الأميركية، حيث أشار إلى أن الجماعات الإرهابية من جميع الأنواع ستعتمد على الإنترنت بصورة متزايدة للحصول على الدعم المالي واللوجستي, وأشار أيضًا إلى أن التكنولوجيا والعولمة قد مكنتا الجماعات الصغيرة، ليس فقط من الاتصال ببعضها بعضًا، ولكن أيضًا لتوفير الموارد اللازمة للهجمات دون الحاجة إلى تكوين منظمة إرهابية.
كما يحدد تقرير جابرييل ويمان لمعهد الولايات المتحدة للسلام (2)- ثمانية أهداف رئيسية للجماعات الإرهابية في استخدامهم للإنترنت وهي: (الحرب النفسية، والدعاية والدعاية المضادة، واستخراج البيانات، وجمع الأموال والتجنيد والتعبئة، والربط الشبكي، وتبادل المعلومات، والتخطيط والتنسيق, لذا يمكن التأكيد على التسويق الرقمي سيكون على رأس أولويات الاهتمام بالنسبة للإرهابيين في المستقبل, ونتوقع أنهم سيسعون إلى اختراق شركات الهواتف النقالة والإنترنت أكثر فأكثر.
كما أتاح هذا التوسع في استخدام الإنترنت للمنظمات والحركات الإرهابية (نافذة إعلامية كبيرة وتفاعلية لبث رسائلها ونشر أفكارها وأهدافها وعكس نشاطاتها الهدامة, بل وحتى قيادة وتوجيه خلاياها وتنظيماتها في مختلف أرجاء العالم، حتى بات الانتشار العالمي للإرهاب يتناسب طرديا مع توسع وتنوع استخدامات الإنترنت, ويمكن حصر الاستخدامات الإرهابية المعاصرة للإنترنت بخمسة أنواع هي: توفير المعلومات، والتمويل، والشبكات، والتوظيف، وجمع المعلومات) (3)

بتصرف عن: كتاب المؤشر صفر – رؤية استشرافية إلى مستقبل الإرهاب والتنظيمات الإرهابية في البيئة الوطنية العمانية – منشورات مكتبة الضامري (2017)

إلى الأعلى