الثلاثاء 19 مارس 2019 م - ١٢ رجب ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / أصداف : قفزة ماو “الكبرى”

أصداف : قفزة ماو “الكبرى”

وليد الزبيدي

عندما أقدم الرئيس الصيني الأسبق ماو تسي تونج على إطلاق مشروعه اللافت بعنوان “القفزة الكبرى إلى الأمام”، أراد أن ينتقل ببلاده من المرحلة التي كانت تعيشها في أواخر خمسينيات القرن العشرين إلى مستويات متقدمة ينافس فيها الدول الكبرى التي فرضت هيمنتها السياسية والاقتصادية والعسكرية على العالم، وتحمل قفزة ماو “الكبرى” بين طياتها الكثير من الدروس والعبر، ليس للقادة والحكام وإنما للناس في كل مكان وزمان.
يمكن القول إن الفكرة الأساسية في قفزة ماو التي أطلقها في العام 1958، تقوم على رؤية سياسية يسعى من خلالها لدفع الصين إلى مكانة جديدة غير تلك المكانة التي كانت عليها، في وقت يتصاعد السباق بين الدول الكبرى وتتسع دائرة المنافسة لتشمل مختلف المناحي السياسية والفكرية والاقتصادية، وتحت الطاولات أي في الغرف المغلقة للدول الكبرى كانت طاحونة الخطط الطموحة الكبرى تتسابق متوزعة بين الكثير من دول العالم، في حين تشتعل الحرب بدون بارود والتي أطلق عليها “الحرب الباردة” على نطاق واسع.
تستند رؤية ماو التي نتحدث عنها إلى أمرين رئيسين، هما: الأول: يتمثل باستثمار الكتلة السكانية الضخمة لبدء حركة تطوير في البنية الأساسية للمجتمع الصيني، على أن يكون “التطوير المقصود” سريعا وشاملا ويتمكن ماو من خلاله من الانتقال المنشود وجعل الاقتصاد الصيني “شيوعيا” بدلا من الاقتصاد الزراعي الذي كان سائدا في الصين في ذلك الوقت، وذلك من خلال عمليتي التصنيع التي يحتاج إليها المجتمع الصيني وعملية تنظيم غير مسبوقة من وجهة نظر ماو، واعتمد في تطبيق ذلك على نظرية طالما اعتقد أنها العصا السحرية لتحقيق الأهداف المرجوة من تلك “القفزة الكبرى” المقصود بها نظرية القوى المنتجة، وكان المحفز الرئيسي لكل ذلك ما تم إبلاغه من قبل الدوائر الصينية المختصة بكارثة وشيكة تتعلق بنقص الحبوب، ما يعني أن الأمن الغذائي في المجتمع الصيني سيكون مهددا بقوة، وبطريقة مرعبة للقيادة الصينية وللشعب الصيني..
الأمر الثاني: يرتبط بآليات تنفيذ تلك “القفزة الكبرى” التي تطلبت تغييرات كبرى وجوهرية في حياة الشعب الصيني، القصد من وراء تنفيذها تنظيم عملية الزراعة بحيث تصبح إلزامية وجماعية، وتم حظر الزراعة الخاصة وتعرض الذين يمارسونها للمحاكمة.
لكن تلك “الخطوة الكبرى” التي طالما امتدحها الكثير من الصينيين في تلك الفترة والظروف المحيطة بها، شهدت انهيارا اقتصاديا غير مسبوق في ذلك البلد، فقد وصفت بأنها الفترة الوحيدة خلال أربعة عقود شهدت نموا سلبيا لاقتصاد الصين، ويتفق المؤرخون والاقتصاديون والسياسيون أن “القفزة الكبرى” قد تحولت إلى “كارثة” حقيقية رافقت حياة الشعب الصيني لسنوات طويلة بعد تطبيقها بين الأعوام 1958 والعام 1961.
ما يهمنا في هذه الزاوية من “القفزة العظيمة الكبرى” البحث والتفتيش الدقيق عن المشاريع والقرارات التي اتخذتها حكومات ودول في بلداننا ودول العالم وتسببت بكوارث كبرى للشعوب والدول.

إلى الأعلى