Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

باختصار : سبق السيف العذل

زهير ماجد

كان الصحافي المصري الراحل محمد حسنين هيكل يسمي الشرق الأوسط ملعب الولايات المتحدة .. صحة نظريته تلك لم تكن جديدة، هو أضاف عليها في زمن الرئيس المصري الراحل أنور السادات أننا في العصر الأميركي. نحن إذن لا نعرّف عصرا ما، يبدو أننا نعرّف كل العصور بأنها أميركية سواء شئنا أم أبينا.
المطلوب من أميركا كثير، نحن لا نقدم لها طبقا من الموجود ومن المطالب، بقدر ما هي تعرفه، تحفظه عن ظهر قلب في منطقة تضج بحضورها. ما أحلى الشعب الأميركي وهو المتقدم والحاضر في شتى الحقول وفي كل الحاجات الإنسانية، لكن ما نفع ذلك أمام السياسة الأميركية التي لا تتوقف عند حد.
بالمقابل لا يمكن الصمت إزاء العالم العربي الذي لا بد أرهقته عذابات ثماني سنوات من المعطيات المحرجة له ولمستقبله. كل يوم عربي جديد هو بمثابة إحراج لليوم الآخر، والقدر العربي بات ينتمي لقدراته في التغلب على الصور الدرامية التي يعيشها. ليس بالإمكان القول الآن إنه لم ينتبه لما هو قادم وهو يعرف الخطط ضد مصالحه ووجوده، لقد سبق السيف العذل، بل يفترض الآن أن يضع الخطط المخلصة له، وتلك هي المشكلة.
لا الأميركي يرحم، ولا الإسرائيلي يريد لنا الخروج من الأزمة .. إنه منطق البناء على عوامل إبقاء الحالة على عسرها، ونحن بالمقابل تحكمنا الحالة التي وصلت، لقد قطع العرب مسافة كبيرة من خسائر ذاتية، ومن دماء صافية، ومن عذاب مضني .. صار العرب وخصوصا الدول التي استهلكت قدراتها أن ترتاح، لكن الصورة ليست كذلك ولن تكون.
سوريا محكومة بضوابط، جيشها متأهب دوما لخطة تحرير كل الأرض، لكن ضريبة الصبر عليه أن يدفعها، فالمسألة ليست بالسلسة أو الهينة، إنها تركيبة لمكان متأجج بنذر الخطر يراد له أن يعبر لكي يتمكن الجيش العربي السوري من التقدم إلى حيث يجب أن يكون دائما في كل شبر من أراضيه الوطنية. الكل يعترف بأن سوريا أصبحت على بعد أمتار من مشوارها الناجز، لكن سيناريوهات الدول تتحسس طريقها تحسسا لكي لا تستعجل أية خطوة. الأميركي يريد الانسحاب من شرق الفرات، ولا يبدو أنه مستعجل، لقد صارت تلك المنطقة بحكم حساسيتها مسرحا لدول عديدة، مكانا لحوار يفتش عن حل للجميع.
ربما نقف عند سوريا في بانوراما الواقع العربي لأنه ليس لنا خيار رفع الرأس باتجاهات أخرى، فسوريا تتحكم بالمصير العربي، وليس بما هو الأقرب إلى حدودها فقط .. ليس صمتها اليوم سوى مشهد الصابرين على واقع لا تريده لكنها مرغمة عليه. وبصراحة القول، فهي تأبى في لحظة حساسة كتلك التي هي فيها، أن تكون قراراتها خارج المسار الأوسع الذي بات يحكم الجميع ويحكمها بالتالي.
نحن إذن نتطلع إلى الأميركي، نقرأ ما يقوله، نستمع إلى خطاباته، ويهمنا جدا ما يقوله من حوارات، بل من خطب على منصات، وخصوصا منصة القاهرة بكل أبعادها. ليس أمام الواقع سوى انتظار ما يمليه الأميركي وما يتصرفه كي يكون الفعل من خلاله أو الالتقاء به .. الصورة ليست سهلة ولن تكون، وخصوصا عندما تكون الأزمة في نهاياتها، فهي في مرحلتها الأصعب، بل في مرحلة الانتباه الشديد كي لا تعاد الأمور إلى ما كانت عليه، وتلك هي الكارثة.


تاريخ النشر: 14 يناير,2019

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/309744

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014