الثلاثاء 20 أغسطس 2019 م - ١٨ ذي الحجة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق : المهرجانات الوطنية وتحديث صورتها الذهنية لدى المواطن

في العمق : المهرجانات الوطنية وتحديث صورتها الذهنية لدى المواطن

د. رجب بن علي العويسي

يتناول موضوعنا جملة من الموجهات التي ينبغي التأكيد عليها في بناء مسار واضح يمكن الاستناد إليه في تحديد وعي المواطن بدور المهرجانات والفعاليات أو الملتقيات السياحية والترويحية والثقافية عامة، وتكوين قناعات إيجابية تظهر في طريقة تعاطيه مع أنشطتها أو في قراءته لمضامينها وتوجهاتها أو في استفادته من برامجها، خصوصا في ظل مساحات الابتكارية والحزم التطويرية والتجديدية التي يتم إدخالها سنويا في أنشطة وفعاليات هذه المهرجات، وما يمكن أن تؤسسه هذه التجديدات من تحولات في مسار قبول المواطن لها ومرضاه عنها، في ظل التجديد في القناعات والتطوير في الأفكار والتغييب لحالة الروتين والاستهلاكية في الأنشطة، وإضافة مساحات أكبر لضمان احتواء مختلف الفئات العمرية بالمجتمع، وإيجاد مبادرات ومشاركات أكثر ارتباطا بالواقع الاجتماعي.
على أن ما ينبغي الإشارة إليه في هذا الإطار أن الخبرة الطويلة والتجربة المتدرجة التي مرت بها المهرجانات السياحية والترويحية والثقافية بالسلطنة (مهرجان مسقط ومهرجان صلالة) بالإضافة إلى المهرجانات والملتقيات السياحية والثقافية الأخرى؛ كانت كفيله بإعادة توجيه مسار هذه التجربة، وضمان قدرتها على تلبية احتياج المواطن والمقيم والزائر في كونها جسر تواصل عالمي لما تستقطبه من أعداد من الزوار من داخل السلطنة وخارجها، في ظل تخيّر المواسم السياحية التي تنفذ فيها، بما تتميز به من اعتدال في الطقس وتلطف في درجات الحرارة، هذه القوة المكانية والزمانية والمناخية التي تحققت للمهرجانات، بحاجة إلى ميزات أخرى تتناغم معها لتشكيل صورة مكبرة للمهرجانات في السلطنة، تتمثل في القاعدة الشعبية التي تتحقق لهذه المهرجانات من حيث عدد الزوار وتنوع الفعاليات ودخول المبادرات المؤسسية والأهلية في تشكيل هوية المهرجانات بالشكل الذي يضمن قدرتها على الوصول لغاياتها وتحقيق أهدافها التي يطمح المواطن إليها، ويجد من خلالها فرصته لإضافة أبعادا أخرى غير معلنة في مسيرة المهرجانات، عبر تعريض المواطن لخبرات خارجية إقليمية ودولية وشراكات تضمن قدرته على التسويق للمنتج العماني والخبرة الوطنية، وامتلاك قاعدة شعبية مجتمعية من مختلف الفئات والأعمار تتناغم مع التطور الحاصل في الفعاليات والبرامج، والتي نعتقد بأن التنوع فيها؛ إنما هو نتاج لرصد حالة الاحتياج الشعبي لهذه الفعاليات والبرامج، وبناءً على رصد دقيق وتقييم مستمر لها، وقدرتها على مراعاة مختلف الأذواق أو الاهتمامات والقناعات، وحضور الذاكرة الحضارية العمانية بما تمثله من منظومة القيم والعادات والتقاليد والموروث الحضاري العماني والتراث المادي وغير المادي، في قدرتها مجتمعة على تعميق النظرة الإيجابية بما يمكن أن تقدمه على مسار التنوع الثقافي الأصيل النابع من روح الاصالة العمانية وعبق ماضيها الجميل وحاضرها المشرق ومستقبلها الزاهر، لتشكل هذه المدخلات حلقات عمل قوية لتحقيق دور أكبر للمهرجانات في تحقيق الإنتاجية الثقافية، الذي ينتقل فيه مفهوم التراث العماني من كونه تجربة تمارس على مرأى شاشات التلفزة والفضائيات وعدسات المصورين والمهتمين، إلى مرحلة الإنتاج الثقافي والفكري، والذي يصنع من خلاله المهرجان أرضية واسعة داعمة للمسار السياحي والترويحي، وقادرة على ضمان تحقيق مكاسب أفضل في تحقيق المؤشرات التنموية الاقتصادية والسياحية والإعلامية والثقافية والتسويقية، وقدرتها على استيعاب المعطيات المرتبطة بموقع المهرجانات في قناعات المواطن وسلوكه وثقافته.
وبالتالي ما يمكن أن يؤسسه هذا التحول من مداخل نوعية في التطوير المخطط، والاحتياج المبرر، والاختيار المقنن، ليس فقط في فعاليات المهرجان ومحتوياته؛ بل في قدرة المهرجانات نفسها على صناعة التغيير، وإضافة لمسات التفاعل معها من قبل المواطن، وإحداث تحول في سلوك المواطن وفي تفسيره للمفاهيم التي يتلقاها حول محتويات المهرجان، وهي نقاشات بات تعزيز منصاتها الحوارية والتفاعلية وفهم مقتضياتها والغوص في أعماقها، مدخل لتحديد نوع المهرجانات التي نريد وموقع المواطن في كل محطاتها وتشكيل هويتها، فإن ما يتميز به المجتمع العماني من تنوع ثقافي يرتبط بالهوية العمانية وأصالة مفاهيم السلام والتعايش والتسامح العماني والتفرد في الكثير من التقاليد واللهجات واللباس والطعام وأساليب العيش أو المفردات الثقافية، وأساليب التعبير عنها وطرق حمايتها وإثرائها وطريقة نقله إلى الأجيال المقبلة. لتصبح المهرجانات بيئة مناسبة لتشكيل هذا التنوع الثقافي وتشجيعه بطريقة داعمة للإنتاج الثقافي العماني وعصرنته وإعادة تشكيله بما يتوافق مع المعطيات الحاصلة.
وعليه فإن فلسفة عمل المهرجانات الوطنية في ظل الحالة العمانية والتحولات الحاصلة في ثقافة المجتمع ووعيه، ودخول مسار التنويع الاقتصادي في مرحلة الجدية في ظل التحديات الاقتصادية، والعجز المالي في الموازنة العامة للدولة، والتراكمات الاقتصادية الناتجة عن وقف الترقيات والمكافآت الوظيفية وزيادة أعداد الباحثين عن عمل، تقابلها زيادة مطردة في الأيدي العاملة الوافدة في القطاع الخاص ودخولها بقوة في القطاع الأهلي، ينبغي أن تقدم أنموذجا حضاريا للعمل من أجل التنمية التي يظهر فيها دور المواطن كشخص منتج قادر على إحداث التحول، فقيمة المهرجانات لدى المواطن تبرز في ما تحمله من فرص بناء الذات والقدرة على فهم التغيرات في واقع متسارع، مواطن منتج مدرك لقيمة المعرفة الجادة الأصيلة، والثقافة الرصينة، والفكر المعتدل، والممارسة الهادفة، ويعي تحت ظلال مجتمع القيم معايير الذوق في الانتقاء والاختيار، والحرص على أن تبقي كل البدائل والخيارات الإيجابية مفتوحة تعمل من أجل استقطاب نواتج فكره وبصيرته، وتتجاوز حالة السطحية التي يحجم بها المهرجانات في ممارسة شخصية أو سلوك وتصرف غير مسؤول، لتفتح له آفاقا رحبة ملؤها شغف المعرفة، والتطلع على عادات وقيم وأخلاقيات الشعوب وثقافتها التي أتته حاضرة إلى عمان، لتتمازج في ظلها مخيلته، وتسمو فيها ذاته، لتنتقل للاختيار من بين واحات متعددة وأزهار متنوعة في أروقة المهرجانات.
إن هذه القراءة ينبغي أن تشكل مدخلا مهما في فهم طبيعة المهرجانات التي يحتاجها المجتمع، ليجد فيها من الطبيعة العفوية والبساطة ما يزيح عنه عناء التكلف، ويمسح عنه ضباب الكلمة وصعوبة فهم الموقف، لتتحاور مع البعد الثقافي والحضاري والتاريخي، أبعادا أخرى في جماليات الطبيعة العمانية وتنوع بيئتها الاحيائية والفطرية، ويصبح البحث في التحولات التي تفسّر حاجتنا للمهرجانات السياحية، يرتكز على القدرة في تحويل المؤشرات الإيجابية النوعية التي تضيفها إحصائيات المهرجانات؛ إلى لغة رقمية في المنتج الذي يمكن أن يقدمه وجود هذا المهرجانات على الناتج المحلي، والقيمة المضافة له على موازنة الدولة، وما يمكن أن يحققه من أرباح وفرص تشغيل وتوظيف وأعمال لوجستية وتوريد وغيرها ونسبة مساهمة الكفاءة العمانية بها، فإن وجود هذه اللغة الرقمية كإطار تقييمي لنواتج المهرجانات على الواقع؛ سوف يعزز من التقدير الاجتماعي لها ويحدّث صورتها في الواقع، ويضيف المهرجانات إلى قائمة محفزات التنمية.
من هنا فإن ما سبق الإشارة إليه يضعنا أمام قراءة للمنجز الوطني لهذه المهرجانات وعلاقتها بغايات التنمية وبرامج التنويع الاقتصادي الوطني وإسهامات المهرجانات فيها، بما تؤسسه من مناخات أكبر للشراكة العالمية وتؤصله من حماس الشباب وتطلعاته، نحو إبراز مواهبه وقدراته وإنتاجه بطريقة أكثر نضجا، يستمتع العالم بمشاهدتها والتعمق فيها، عندها تقوى أرصدة نجاحات المهرجانات بروح الشباب وشغفه المستمر والموجه بمعايير الخُلُق والذوق، وأن يبرز التواجد الشبابي فيها لتعميق قيمة التراث المادي وغير المادي كقيمة حضارية للأمة العمانية يتجاوز حدود التعبيرات الشكلية والإعجاب الوقتي، إلى تبني روح التراث وانعكاساته على سلام النفس، والقناعة به كمدخل للتغيير، وإعادة انتاجه في طريقة أدائه ورسم معالمه وتبني آليات جديدة في التعامل معه، وهو ما يمكن أن يتيح للمؤسسات الدولية المعنية بالتراث والثقافة والتنوع الثقافي، فرص اكبر للاطلاع على عمليات تطوير المنتج الثقافي في سلوك الأجيال وثقافتهم، وفق مسار وطني يقوم على إتقانه المخلصون والمبدعون من أبناء الوطن، فهو بذلك فرصة لتقييم التراث ومراجعته وإعادة تهذيبه وصقله في إطار تنوع الثقافات واتساع أفق المنجز الثقافي العالمي.
ومع التأكيد على أن المهرجانات في تعدد غاياتها وتنوع مجالاتها وارتباطها الكبير بالبعد الإنساني (هويته وقناعاته واستعداداته وأخلاقياته)، أصبحت تشكّل مدخلا مهما لتعزيز فرص اقتصادية واستثمارية وتسويقية للمنتج الوطني على شكل سلع استهلاكية أو خدمات تصدير وتوريد ثقافية تشمل أنماط الإنتاج الثقافي والإعلامي والنشر والتوزيع وغيرها، وتمازجها بالتجارب والخبرات العالمية سوف يصنع منها مرآة عاكسة في قدرتها على كسب رهان الثقة التي يمنحها لها المجتمع بمختلف فئاته، ويبقى ما يمكن أن تصنعه الكلمة والصورة والمحتوى الإعلامي الرقمي والتقليدي، والحوارات والنقاشات والاستضافات في الشاشات الفضائية أو البرامج الإذاعية، وصوت المراسلين وعدسة الكاميرا وهي تتجول في أروقه المهرجانات وزواياها ومحطاتها ترصد رأي الجمهور وتقرأ في وجوههم عناوين التواصل والفرح، وتتعمق في أسلوب الخطاب لديهم، وحكمة الإلقاء وطريقة ترويج الصورة، وموقع الممارسة المبتكرة والنماذج المضيئة، وتسليط الضوء على أفضل الممارسات في مجالات الابتكار والفن والسياحة والإنتاج الثقافي والمبادرات، وجهود التوعية والتثقيف والمساحة المتاحة لألعاب ومرح لطفولة في تغيير عادة الروتين وكسر حاجز العزلة، محطات مهمة في بناء صورة مشرقة عاكسة لأنموذج المهرجانات التي تتناغم مع طموحات المواطن، فتستوعب الصورة الذهنية لديه وأنماط التفاعل وطريقة الأداء، ويتفاعل معها بروح المواطنة، وسلوك الوعي، وضمير المسؤولية.

Rajab.2020@hotmail.com

إلى الأعلى