السبت 16 فبراير 2019 م - ١١ جمادى الأخرة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / قراءة في عالم التعبيري.. يوجين أونيل

قراءة في عالم التعبيري.. يوجين أونيل

علي عقلة عرسان

يوجين أونيل “١٨٨٨ – ١٩٥٣” كاتب خدم المسرح الأميركي، واحتل مكانة مرموقة بين كتابه، وأصبح لأميركا، بفضله، أدبها المسرحي، بعد أن كانت تعتمد على أدب أوروبا.. إذ لم يكن للمهاجرين الذين تجمعوا طلبا للمادة، أي رصيد أدبي في الأرض الجديدة. تنهض فلسفة أونيل على إيمانه بأن الإنسان حر في الاختيار، وأنه يستطيع أن يتحكم بمصيره، وأن شر البلاء الذي يصيب النفس وأساس مصائبها، لا يأتيها من الخارج، فما الخارج إلا مثير بالنسبة لها. إن الرعب والهلع، وكل ما يسبب عدم التوافق وعدم الارتباط بالمجتمع، وما يؤدي في النهاية إلى الرؤية السوداء والتفسير المغلوط للعالم.. إن كل ذلك البلاء كامن في النفس، في العقل الباطن، في الشخصية ذاتها، في عجز الإنسان عن أن يكون كل شيء، وأن يثق بذاته، وأن يكون ثقة في الوقت ذاته.
وقد كتب أونيل في مذكراته يقول: “الإنسان مقدّر عليه الخطيئة، وفي باطنه قوى العذاب، تتمثل في ضميره، تلهبه بسياط الندم”. وربما كانت هذه نافذة من نوافذ سيجموند فرويد الذي فتح الطريق أمام المتأملين في النفس البشرية، وكشف عن سر خطير من أسرارها، وبيّن ديناميتها التي تجعل منها ذلك الكل المركب المتشابك المتداخل الغريب الذي يحتوي في داخله الفزع والرعب، وأشدّ النزعات التي تتقاتل وتتحيّن الفرص للظهور إلى حيز الوجود، خلسة ومن وراء عين الرقيب الحارس، ألا وهو العقل الواعي. وحينما نشر فرويد نظريته في التحليل النفسي حول الشخصية ومكوناتها وأمراضها، وبيّن أن الإنسان نظام من الطاقة، وأن للغريزة الجنسية الدور الأعظم في توجيه إنسان وتسييره.. عندما طلع فرويد بنظريته تلك إلى الوجود، وسعى إلى الأدب فاتخذ منه نماذج ليثبت نظريته، وأخذ أوديب أنموذجا تحليليا فيما عُرف بعقدة أوديب “حب الابن لأمه وغيرته من أبيه”، وتحدَّث عن عقدة إلكترا أيضا “حب البنت لأبيها وغيرتها من أمها”.. تلك التي تُكبَت بشدة تامة فتغيب في اللاوعي وتعمل من هناك… عندما فعل فرويد ذلك بمساعده تلاميذه ثم مناوئيه، آلفرد آدلر وكارل يونج، اجتذب إليه أنظار العاملين في الحقل الأدبي، وبدأ الكتاب والنقاد يطبقون نظريته في الأدب، ونشأت مدرسة أدبية أو مذهب فني يعرف بالفرويدية، كان كتابه يتخذون من تطبيق التحليل النفسي هدفا لمسرحياتهم، ويفصِّلون لنظرياته شخصيات معقدة مريضة تلائمها، فأتى أدبهم في أغلب الأحيان عابقا برائحة الجنس، والجنس المحرَّم. ونستطيع أن نقسمهم إزاء التأثر بفرويد إلى فريقين:
1- فريق أخذ التحليل النفسي حسب تعاليم فرويد كاملة، ومنح الغريزة الجنسية، وما عُرِف بـ”اللبيدو”، القدر الأعظم من الاهتمام، وخرج إنتاجه جنسيا مغرقا في الجنس، مثيرا لأحط النزعات الحيوانية في الإنسان.. ومن هؤلاء في مجال المسرح: “الفرنسي هنري برنشتاين 1867- 1953 ومن مسرحياته السوق ـ العودة ـ الحظيرة ـ السر”، و”النمساوي آرثر شنتزلر 1862 – 1931 ومن مسرحياته الرقص المستدير ـ دائرة الحب ـ هوروفود” .. وفي مجال القصة والرواية. د.هـ. لورانس مؤلف عشيق الليدي تشاترلي، وجيمس جويس مؤلف أوليس. وامتد هذا التيار وتشعب، وتحول إلى تيارات أخرى، نتيجة لتأثر بعض الشبان من الكتّاب به، خصوصا بعد خروج الأذهان منهكة والأجسام مرهقة والشعور مهزوزا من أهوال الحربين العالميتين الأولى والثانية.. فتمرد الحيوان في داخل الإنسان، ولم يقو العقل على بسط سلطانه، ودمرت الكثير من القيم، فاندلعت نار الشهوة الحيوانية في النفوس، وتشوش العقل وأصبح التفكير مريضا. وقد لمسنا ذلك جليا في مذهبي العبث واللامعقول كأحدث جنينين متطورين يكادان يفارقان الأصل تماما لذلك الاتجاه.
2- فريق استفاد من تجربة فرويد بأن عرف أغوار النفس البشرية، واكتشف مجاهل خصبة لم ترتدها الأقلام بعد، ولم تحلق في أجوائها العقبان والنسور، وأخذ يستقرئ النفس البشرية ويستنبطها ويدرسها ويحللها، ليكتسب منها وفيها خبرة كبيرة. وعندما عرفها، وعرف مقدار ما تنطوي عليه من ضعف، واجتلى سر تلك المخيلة التي تخلق لنا في داخلنا الجنة والجحيم، وترينا العالم بمنظار أسود أو وردي أو أبيض، نتيجة لوقوفنا في موقف يفرضه تواتر الأحداث علينا، مما يجعلنا تحت تأثير أحداث ووقائع تتضافر مع أحداث ماضية أكسبتنا خبرات وتجارب، وكَمَنت آثارها في النفس ولم تزل. وهي هنا، بتأثير المنبه الخارجي الذي هو الحدث أو الموقف الجديد، تأخذ في البروز من زواياها المظلمة، وفي التضخم والتشكّل بأشكال مخيفة، وتبدأ ترعبنا بوسوستها المهلكة.. وبتعاون مع العالم الخارجي وأحداثه، تزيد من قوة الضغط على الروح البشرية التي تأخذ بالتعري من أثوابها وأقنعتها وقدراتها، نتيجة لتزايد القسوة والضغط، وإيلام التجارب، واشتداد الموقف الخارجي خطرا وتأثيرا وقوة.
عند هذا الحد تقف الروح في العراء مجردة من كل ما يحصنها ويقيها لفح الشمس المحرقة.. تقف لتواجه مصيرها ووحدتها وعجزها، تقف أمام قوى الكون العليا، أو أمام قوة الحياة التي تكون بمجموعها دوما أقوى من قوة الفرد، وقادرة على هصره وسحقه.. تقف الروح وقد ألقت كل سلاح، وجردها الألم من كل قوة احتمال ومقاومة، وربما طهرها.. تقف وقد تساقطت الأقنعة عنها قناعا إثر قناع، وظهر وجهها الحقيقي.. الوجه الذي لا تظهره إلا الأحداث الضخمة، وتألب المصاعب، ورنين مطرقة الألم على الأوتار الحساسة في النفس.
اكتشف الفريق الثاني هذا الاتجاه، أو هذا العالم الخصب، بتأثير نظرية فرويد، وبدأ الكتّاب يُغْنون المسرحَ والقصة والرواية بمؤلفاتهم التي يضعها النقد تحت اسم “إنتاج المذهب التعبيري”، وكان منهم كتّاب مسرحيون: فرانك ودكند 1864-1918، سترندبرغ 1849- 1912، فرانك مولينار. وبهؤلاء الكتّاب تأثر يوجين أونيل أيضا، ونهل من النبع الذي نهلوا منه، فتجلى المذهب التعبيري وخصائصه في بعض مسرحياته، حتى أصبحت علما عليه. وترمي المسرحية التعبيرية إلى تصوير دخيلة النفس البشرية، وتجسيم تجارب العقل الباطن، أما وسائل الكاتب التعبيري إلى ذلك فمختلفة متعددة، فهو يستغل الحوادث الخارجية أولا، إذ يضع البطل في موقف يثير فيه دواخله وانفعالاته الحادة، وينتقل بعد ذلك إلى زيادة الضغط عليه بواسطة تخيلات من داخل البطل، تتجسد في شكل أشباح ومخيفات تتجلى في العالم الخارجي.. ويلجأ المؤلف إلى استخدام المؤثرات الصوتية كالطبول والأصوات المزعجة والمثيرة المرعبة، كما يستعمل الموسيقا والإضاءة وتعدد المناظر، ليساعد على أمرين رئيسين” وضع بطله في بيئة مؤثرة، ومساعدتنا على فهم الحالات النفسية التي يمر بها البطل، ويهدف من الضغط على نفسه إلى أن تنكشف مكنوناتها وتتعرى. إذ إن الكاتب يرينا العالم من خلال نظرة بطله إليه وبتلك الكيفية التي يراه عليها، ويعكس البطل ما في نفسه على العالم، ولا يراه رؤية موضوعية. وكأن التعبيريين يريدون القول: أن ليس هناك رؤية موضوعية، وليس هناك حقيقة معيّنة ثابتة للأشياء أو للعالم أو للمرئيات.. فنحن نرى الأشياء، ونفسر الأحداث، وننظر إلى الأمور، من خلال نفوسنا المشحونة برغباتنا أو مخاوفنا وتجاربنا الخاصة وأفكارنا عن العالم، ومن خلال طموحاتنا ومصالحنا وعواطفنا بالدرجة الأولى.. فالشيء الذي أراه أنا أسود اللون قد يراه غيري أبيض اللون، والذي أراه خيرا قد يراه غيري شرا، وما أراه جميلا قد يراه غيري غاية في القبح. وهكذا تتعدد الرؤى بتعدد النظَّارة، إذ لكل روح طريقتها في التعبير عن الأشياء وفي رؤيتها للواقع، ذينك التعبير والرؤية المنبثقتان من طبيعة المواقف والحالات النفسية والوجدانية التي تقفها الشخصية أو تعانيها من جراء العالم المحيط بها وفيه.
والأشياء في العالم الخارجي مرتبطة برصيد لها من الذكريات في العقلين الواعي والباطن، وهي كامنة على شكل تجارب موروثة أو مكتسبة في حياة الفرد، ومن هنا تتلون الأشياء بلون النفس في حالاتها وإحالاتها. ولم يبتعد التعبيريون عن الرموز، فقد استعملوها لأنها تساعد الكاتب على التعبير تلميحا، إذا لم يسعفه التصريح في التعبير. والرمز يساعد على الإيحاء وعلى تحقيق غرض الكاتب الذي يبتغي الارتفاع والسمو إلى آفاق أرفع وأوسع، يقوى التلميح في توصيلها والإيحاء بها على التصريح.
مسرحية “الذهب”، تناول يوجين أونيل موضوعا سبق أن طرحه بصورة هشة في مسرحية قصيرة له بعنوان “حيث وُضِعَت علامة الصليب”. ومسرحية الذهب تسرد قصة مجموعة من البحارة ذهبوا لصيد الحيتان، تحطمت سفينتهم ووجدوا أنفسهم في جزيرة خالية من الماء ومن دلائل الحياة.. يبحثون فلا يجدون ما يروي الظمأ ويسكت الجوع، وفي أثناء بحثهم يعثرون على زورق غارق وفيه صندوق مليء بما يزعمون، أو يترآى لهم، أنه ذهب. يخبئون الصندوق، ويقتلون الطباخ والخادم اللذين كانا لا يصدقانهم، خشية أن يعودا لأخذ الصندوق، أو خوفا من أن يفشيا السر. وتأتي سفينة لتلتقط هؤلاء الرجال وتعيدهم إلى الوطن. وبعد ذلك يكون حلم البحارة الأربعة أن يعودوا إلى الجزيرة ويأخذوا الصندوق الذي أخفوه في مكان أمين، ورسموا لذلك المكان مصوّرا، ووضعوا في المكان الذي وضعوا فيه الصندوق إشارة الصليب. يسعى القبطان بارتلت رئيس الجماعة لإيجاد سفينة، ويحصل عليها، وفي داخله يلاحقه الإثم لمقتل الطباخ والخادم. إنه مسؤول حتى عن الصمت الذي واجه به رغبة جيمي في القتل.. إنه شريك بالصمت، لقد أعطى أمرا بالقتل لأنه لم يعط أمرا بعدم القتل. ويعتقد أهل بيته بأنه أصيب بالجنون، ولكن امرأته “سارة ألن” تسمعُه في أثناء نومه يهذي بسر شقائه، فتعرف الأسباب التي من أجلها يتعذب والتي حولته هذا التحول الخطر. إنه عذاب الضمير، إنه الإثم في شوق للذهب الذي دفنوه. السفينة مهيأة والرجال ينتظرون على أحر من الجمر، ولكن بارتلت لا يتحرك، إنه حتى لم يدشن السفينة بعد، ولم يطلق عليها اسما! وفي هذه الأثناء يكون ابن بارتلت “نات” قد توجس شيئا من الخيفة، ويحاول بإصرار أن يسافر على ظهر السفينة برفقة والده، ولكن الوالد يمنعه ويرفض الاستماع إليه، كما يرفض أيضا الاجتماع بامرأته التي لازمها المرض مذ عرفت سر شقاء زوجها.
وتتأزم الأمور، ويأتي خطيب الفتاة “سو” ابنة القبطان، وهو ضابط بحار ذو اقتدار، فتدبر “سو” معه مؤامرة فحواها أن يسافر مع البحارة على ظهر السفينة ليمنع ” بارتلت” من السفر، لأن الأسرة تخشى عليه من الجنون إذا سافر. وتنفذ الخطة، ويبعد القبطان بارتلت عن سفينته التي كان يستعد للسفر على ظهرها، بعد أن جدَّ فدشنها وقرر السفر في اليوم ذاته.. ويقف بارتلت ينظر إلى السفينة وهي تغادر الميناء ولا يستطيع أن يفعل شيئا، إنها وقفة طويلة سيقفها بارتلت، وربما وقفة لا نهاية لها.. إنه ينتظر وينتظر طويلا عودة السفينة “سارة ألن”، التي تبلغه أخبار غرقها فيما بعد، ويأبى أن يصدق.
وعندما تشتد الأزمات النفسية عليه، يقرر بارتلت أن يخبر ابنه “نات”، فيشرح له الأمر، ويريه نسخة من المصور.. فيعيش “نات” الوهم نفسه ويحلم بالذهب المنتظر. ولكن “سو” ابنة القبطان تحاول جهدها، بعد موت أمها، أن تنقذ ما يمكن إنقاذه. فتحضر لأبيها طبيبا، لكن من دون فائدة.. ويستشري الوهم ليصبح جنونا وضعفا ينتهيان بـ”بارتلت” إلى الموت. أما “نات” فيتابع الحلم بالذهب، بالمادة التي كانت في عصر يوجين أونيل، وفي تاريخ أميركا كله، أكثر أهمية من المثل والأخلاق والروحانيات كلها.
إن مسرحية الذهب تبدو غير ذات أهمية بحوادثها الخارجية، فهي مسرحية وقائع الأطماع الأميركية.. ولكن جوهر المأساة يكمن في عذاب الضمير والإحساس بالذنب، حيث يعاني منهما بارتلت، الأنموذج في هذه الحالة. فقد كان يستطيع أن يمنع القتل بكلمة أوبإشارة منه ولكنه لم يفعل.. وهكذا تحمل، وحمَّل نفسه مسؤولية الجريمة، وأخذ إحساسه بالذنب يتجسم ويتضخم حتى قضى عليه تماما في النهاية. وهذا ما رمى إليه أونيل، وهذا هو خط السير العام في كل مسرحه تقريبا.. حوادث واقعية تجري، فتحدث جرائم أو تثير ذكريات ومخاوف ترتبط بآثام وجرائم قديمة تأخذ بالنمو. ويساهم البطل، عن طريق الصراع الداخلي الذي يعتمل في كيانه، والوهم الذاتي الذي يشكل بواعث ويثير دوافع كامنة.. يساهم في تجسيم الذنب والخطر، ويعلي من فاعلية الحوادث، إلى أن تأتي لحظة يفقد فيها قدرته على الاحتمال، وينهار أمام ضغط العذاب والمعاناة، ويذهب ضحية ماضيه ووهمه.
إن العقاب عند أونيل لا تتكفل به السماء، ولا السلطة الخارجية، سلطة سياسية أو قضائية، أو رقابة من نوع ما.. إنه، في الواقع، ينبع من كون الشخص المذنب مستعبَدا لنزعاته ورغباته، لماضيه وضميره وذاكرته، إنه حر اسما لكنه مستعبد فعلا. هذا هو إذا أونيل: صراع قائم في الروح، ينشب أظفاره فيها حتى يأتي على البقية الباقية منها، ونفوس أذابها الطمع والحقد والشهوة وحب التملك المادي، فاستعبدها وقضى عليها.
هذه هي الحياة إذا: ذكريات لا تشيخ، ومطامع ورغبات ونزوات لا تعرف الهرم، وجسم لا يقوى على مقاومة الفَناء، فيتفتت مع الأيام ويندثر، لتبقى الرغبات في صباها، رغبات وذكريات كثيرة تعجز حيوات عن تحقيقها، ويهرم الإنسان وتبقى هي شابة قوية لم يتحقق منها إلا القليل، سواء لعجز في الذات أو لاستحالة في بلوغ المآلات.
هذه هي بذرة فلسفة أونيل التي بثها في مسرحه. إنه يبحث عن الشيء الضائع الذي فقده الإنسان ولن يجده، ويعيش من أجل ذلك صراعا يودي به في النهاية.. وهو يبحث عن وسيلة لتحقيق ما يستحيل تحقيقه، يفعل لكي يعيش. فعَل أونيل ذلك في مسرحياته “الينبوع”، وفي “رغبة تحت شجرة الدردار”، وفي “الإله الكبير براون”، وفي أكثر مسرحياته كان يبحث عن الحرية التي يستطيع الإنسان بواسطتها أن يحقق كل شيء، وأن ينطلق خارج حدود ذاته، خارج قصوره وارتباطه بطبيعته، وبالوجود وبالمجتمع، ليحقق ما يريد، وليصل إلى الخلود والسمو والثراء، إلى كل شيء في حياة يراها الإنسان حلما تحققه المادة.
هذا هو مسرح أونيل: فلسفة ممسرحة، وبحث دائب عن سر الحياة، وتصوير للإنسان في مجتمع آلي مادي لا يعرف الرحمة. كان أونيل يناصر ما هو إنساني، وبقي على مبدئه في حبِّ الإنسان، ومعالجة مشكلاته، وتصوير ذاته ومطامحه وميوله ورغباته وصراعاته. في مسرح أونيل أيضا ظاهرة ينبغي ألا تفوتنا الإشارة إليها، ربما كانت من نتاج مجتمعه، تؤدي إليها الأحداث والحياة، القتل والانتحار، لكن القتل والانتحار لا يحلان مشكلة وإنما يخلقان مشكلات. ولا أريد أن يُستشفَّ من ذلك أن أونيل متشائم، فهو، كما ظهر لي في نصوصه، يحب الحياة ويحبب الناس بها، ويدعو إلى كل ما يعزز تعلق الإنسان بها وينميها ويزيدها جمالا وروعة.. لقد استقى من الحضارات، وتتلمذ على نيتشه وسترندبرغ وإبسن والاليزابيثيين والإغريق، ولكنه أظهر لنا مجتمعه، وصوّر مفاتيح الحياة الأميركية في أعمال لها خلفيات فكرية واجتماعية عميقة، وخدم الإنسان جوهرا وتكوينا وقيمة، وآمن بقيمة الحياة وقيمة العمل، وكان مبدعا في فن سياسة الحياة، أكثر من إبداعه في فن السياسة الخالصة. ويبقى هذا الكاتب، يوجين أونيل، الأب الحقيقي للمسرح الأميركي، والرجل الذي أرسى دعائمه.

إلى الأعلى