الثلاثاء 17 سبتمبر 2019 م - ١٧ محرم ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / عن أي عمل تبحثون؟!!

عن أي عمل تبحثون؟!!

فوزي رمضان
صحفي مصري

سر النجاح في الحياة يكمن في تحمل المسؤولية، بها ينحت الإنسان الصخر ويشق دروب الأرض، وكلما تعاظمت المسؤولية انعدمت فرص الاختيار، وعندما تصعب لقمة العيش وتتكاثر الالتزامات لم يتبقَّ أمام الإنسان سوى اتجاه واحد، وخط مسار إجباري، وطريق محدد وهو العمل ليس إلا.
عندما تبحث في سير العظماء وأثرياء العالم، ستجد غالبيتهم بدأوا العمل مبكرا وفي سن صغيرة، كان الفقر والجوع عاملا مشتركا للجميع، وكان الطموح هو دافع تغيير مسارهم، وكانت المسؤولية هي المحرض على نجاحهم، والمحفز لهممهم ولا خيار أمامهم سوى النجاح.
يبحث غالبية الشباب عن عمل، لكن أي عمل هم يبحثون؟! بالتأكيد الجميع يبحث عن وظائف مريحة في القطاع الحكومي، حيث يتعاظم الأجر ويقل العمل وتكثر المزايا، الواقع المؤكد أن القطاع العام وحتى في أغنى الدول لا يستطيع أبدا استيعاب كل مخرجات التعليم، ولا يستطيع أن يوفر وظائف لغالبية الخريجين المتزايد عددهم عاما بعد آخر، أقصى ما تفعله الحكومات هو توظيف الأشخاص الذين تستخدمهم لتنفيذ أعمالها والسيطرة على حدودها، وتقديم الخدمات لرعاياها، وكل ذلك لم يستوعب سوى نسبة ضئيلة من الكم الهائل للباحثين عن عمل.
إذن، الطريق الموازي للعمل هو القطاع الخاص، وهنا مربط الفرس، لنكن واقعيين هذا القطاع ليس مؤسسة خيرية، أو دار رعاية اجتماعية، ورجل الأعمال ليس المتطوع لتوزيع الخبز، ولا هو الهائم بالعواطف والشجن، القطاع الخاص يهدف إلى الربح أولا وأخيرا. صحيح لديه مسؤولية اجتماعية ووطنية تجاه مجتمعه، إلا أنه ومن خلال صراعه المستمر، وتنافسه الشرس في عالم المال، فإنه يسعى دائما لجلب أفضل العناصر البشرية لمشاريعه، أيا كانت جنسياتهم ومهما كلفته من أموال ليحقق عن طريقهم أهدافه المطلوبة.
وفي إطار التواصل المذهل للعالم عبر شبكات الإنترنت تتلقى الشركات والمؤسسات عابرة القارات ـ عبر موقعها على الشبكة ـ مئات طلبات الوظائف ومن خبرات فائقة الجودة لتختار منهم ما تشاء.. إذن، الفيصل هنا الكفاءة والخبرة والتميز، لتنتقل العمالة المهاجرة عبر العالم إلى كل العالم بلا قيود وبلا شروط، سوى التفوق والخبرة والمهنية، أما بقية الوظائف المساعدة والتي تعتبر تحصيل حاصل تسند لأي شخص مع تدريب بسيط، ويتدخل فيها غالبا المجاملات والمعارف، وتلك الفئة هي الأكثرية في القطاع الخاص، والتي تعاني من كثافة العمل مع تدني الأجور وتقلص المزايا؛ لذا يتهرب المواطن من تلك الوظائف فاسحا المجال للعمالة المهاجرة، سواء المحلية أو الدولية، والتي تقبل أدنى الأعمال بأقل الأجور درءا للفقر والعوز والحاجة.
إذًا، عن أي عمل يبحثون الشباب..؟ خصوصا إذا لم يحالفهم الحظ في الالتحاق بالعمل الحكومي كثير المزايا قليل الجهد، وأيضا إذا لم تتح لهم فرص مواتية في القطاع الخاص، مع انكماش الاقتصاد في معظم الدول، وحالة الركود التجاري والكساد المالي، والذي اضطر معه معظم رجال الأعمال إلى تسريح الكثير من العمال، وإغلاق غالبية خطوط الإنتاج.
الشباب في بعضه متهم بالتكاسل والتباطؤ، والخلود للدعة والترف، خصوصا من لا يعرف منهم المسؤولية، ولديه العائلة التي تنفق عليه، وتتكفل له بالمسكن والملبس والمأكل، كما يتهم بالمعايشة الدائمة لمواقع التواصل الاجتماعي، والرغبة الملحة في الحياة السهلة، ومع غياب قيمة العمل وثقافة الجهد والعرق تتفشى ظاهرة البطالة الاختيارية، ويصبح البحث عن عمل مجرد سد فراغ، ويصير الباحث عن عمل هو من يملي شروطه، ويطلب اختيارات ويا حبذا لو أتوا له بالعمل على سريره، أو أتوا له بالراتب على المقهى الذي يجلس فيه.
نصل إلى المسار الإجباري للباحث الجاد عن عمل، وككل عظماء العالم التحقوا بأدنى الأعمال، كمرحلة وكبداية وكخطوة أولى على الطريق، ما هو المانع من تقبل أي عمل أيا كان؟! ما المانع من التجربة والتعرف على فرص الحياة؟!! لربما تتفتح الأبواب وتكتسب الخبرة، ما المانع أن يملأ الشاب ملفه الشخصي بخبرات عدة وأعمال متنوعة؟
(دارين يافت) أغنى أغنياء أميركا بدأ حياته في الرابعة عشر كصبي تسليم جرايد على دراجته البخارية.. (ستيف جونز) مؤسس شركة أبل كان يذهب للدراسة صباحا، وفي المساء يجمع الزجاجات والقوارير البلاستيكية، ويقوم ببيعها بمبالغ زهيدة حتى يكمل تعليمه.. (أوباما) رئيس أميركا السابق كان بائعا للآيس كريم ويفخر بذلك .. (أوبرا وينفري) مقدمة البرامج الأميركية الشهيرة عملت كمساعد بقال بجوار صالون حلاقة خاص بوالدها.
إذًا، عن أي عمل يبحثون الشباب؟!! ومع كثرة الباحثين عن عمل لم تعد شهادة التخرج العلمية وحدها هي الفيصل في اقتناص الوظيفة.. القاعدة الذهبية تقول (اشتغل على نفسك) مجابهة سوق العمل بحاجة إلى التأهيل، والالتحاق بالدورات التدريبية، في مجال التخصص وتنمية الذات وتطوير المهارات المهنية، خصوصا ذوي المؤهلات الجامعية.. لقد انتهى زمن أن تصبح الحكومة وحدها هي المسؤولة عن تشغيل الخريجين، هي فقط تنشر العمل، وتزرع الوظائف للمؤهل لها من مواطنيها كحق أصيل لهم وتكفله القوانين.
تبحثون عن ماذا؟ وبيدكم صنع العمل نفسه إذا لم تجدوه، جربوا مشروعكم الخاص، ابدأوا صغارا، ومع مرور الوقت تزدهر أعمالكم وتنمو قدراتكم، وتتفتح لكم أبواب للعمل، أما الاعتماد على الأهل وفقدان الأمل في تحقيق الذات، والركون للراحة والرفاهية فتضيع معه كل الفرص، وتحتل العمالة المهاجرة والوافدة كل الأعمال التي يأنف منها البعض ويترفع عليها، ويظل البحث عن عمل كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، مع أن الآلاف من الأعمال متاحة، ومئات من الفرص مواتية، لكن يبقى السؤال وأنتم في بدية المشوار: عن أي عمل أنتم تبحثون؟!!

إلى الأعلى