الخميس 23 مايو 2019 م - ١٧ رمضان ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار : عالمنا نقلة في سراب!

باختصار : عالمنا نقلة في سراب!

زهير ماجد

لم أستسغ إطلاق كلمة “الثورة” على ما يجري عربيا، كونه التخريب والفوضى بحد ذاته، وهي التسمية التي أطلقتها وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كوندوليزا رايس، وتم تنفيذها بكل أشكالها المختلفة في ربوع أقطار عربية.
كان مفهوم الثورة في زمان التحبب لهذه الكلمة، من أصالة الواقع العالمي والعربي .. كانت تعني حكاية شعب بما يموج بها من قصص التغيير والأنسنة، وغلب عليها مفاهيم التحرر وتحقيق العدالة والدعوة إلى الحرية ومن بابها الواسع الديمقراطية .. وكم رددنا مثلا الثورة البولشفية وصار لها أن تمس حرارتها العالم، ومن ثم الثورة الصينية، والثورة الجزائرية، والثورة المصرية بقيادة عبد الناصر (هكذا أعطاها اللقب محمد حسنين هيكل) .. في حين كانت الثورة الفلسطينية محطتنا العربية الكبرى في إعطاء مفهوم الثورة أبعادها الحقيقية، ولو أنها نسيت أن تتفاهم مع الواقع العربي من أجل تثويره أيضا.
يرن في بالي الكثير من خلاصات ذلك الزمان الذي عبر حاملا معه الكثير من أشواقنا الدائمة إليه .. لكن الواقعية تقتضي أن يعترف المرء بحصيلة ما وصل إليه، وبما هو مؤهل للوصول، وعالمنا العربي المثقل بفواجع أموره المضطربة إلى حد التغيير الذي لم يعد تغييرا سوى أنه نقلة في سراب.
كلمة “ثورة” إذن كما تطلق اليوم مؤذية نفسيا وواقعيا، ويرى البعض من باب النكاية أو الغموض لديه استعمالها والمجاهرة بها، وهي منذ أن وقع الراحل ياسر عرفات على اتفاقية أوسلو تمزقت، واندحرت، وصارت ماضيا كأنه ما كان على الأقل. ومثلما بكيت وأنا أرى الدبابة الأميركية في بغداد، كان حزني الأشد على خيار “الختيار” (لقب أطلق على عرفات) أنه أسدل كل الستائر على أي حراك عربي أو لديه بصيص أمل في أن يشهد لفلسطين.
كلمة الثورة إذن صارت هي الفوضى بعينها، الفوضويون فوضوا استثمار الساحات العربية التي فتحت أبوابها لهم فقرر من صنعهم (لا مولود بلا أب وأم) أن يعطيهم شهادات استثمار الفوضى من أجل تطبيق “ربيعه” المرجو .. القتل بالجملة والذبح والسلخ والصلب والحرق وغيره أراده صاحب المولود “ثورة” مفاهيمه هو وخططه الاستراتيجية، دون رفع برامج للتغيير سوى فعل المزيد من الفوضى.
كان الساحر تشي جيفارا بأمميته ملهما للشعوب التواقة إلى الثورة التي كانت في خيالنا وفي ما شهدناه من واقع، وأحيانا أزود بكثير من ذلك .. فمن هي رموز أهل الفوضى اليوم سوى أنها من مكتسبات “الأب والأم”، إضافة إلى فكرة “التغيير” التي هي أيضا من عقلهما .. نتيجة الزواج بين “هذين” أنجبت عالما مرشحا للزوال مع كل الاستثمار له ومن أجله، إلا أنه سيخرب ويقتل ويدمر الصورة القائمة ليتركها خرابا من أجل عيني إسرائيل أيضا، وهي الملهم الذي لم نسمع ولو كلمة واحدة من هذه “الثورة” عنه، سوى التعامل معه، بل ما قاله برهان غليون عن مستقبل سوريا تجاه إسرائيل إذا ما انتصروا هو الغالب والحكم النهائي على عقلية “مثقف” من الزمن العربي الذي تحول أمثاله إلى كثيري الشبه والانتماء لفيلسوف الفوضى الفرنسي برنارد هنري ليفي الذي خرب ليبيا وكان له رصيد تخريب في المؤامرة على سوريا أيضا.

إلى الأعلى