الأربعاء 20 فبراير 2019 م - ١٥ جمادى الأخرة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / التفاهم الأميركي التركي في سوريا

التفاهم الأميركي التركي في سوريا

أحمد مصطفى

حقيقة لم أفهم بعد ردود الفعل العربية على سحب أميركا لقواتها من سوريا، وكأنما كانت تلك القوات لحماية استقلال ووحدة أراضي الدولة السورية! وأن انسحابها سيهدد ما تعلن كل دول المنطقة والعالم حرصها عليه من سلامة سوريا كبلد! ربما يمكن تفهم قلق إسرائيل، التي تجد مصلحة في وجود عسكري في مناطق الإرهاب في سوريا (ربما لتشارك الاهتمام الإسرائيلي ـ الأميركي بداعش وغيرها من الجماعات الإرهابية)، إنما ما سبب قلق بقية دول المنطقة؟ ربما السبب ليس في أن الوجود العسكري الأميركي كان يحد من قدرات الإرهاب، بقدر ما هو تخوف القوى الإقليمية من انفراد لاعبين آخرين مثل روسيا وإيران وتركيا بالساحة السورية. ومرة أخرى، تتسم المواقف العربية بحالة “التفكير بالتمني” متجاهلة سياسة أميركية تعود إلى وقت رئاسة جورج بوش الابن تعتمد “فك الارتباط” مع العالم. وإن كان الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب يتصرف بفجاجة (لن نحمي العالم، وعلى الآخرين تولي أمورهم بأنفسهم) في التصريح بها إلا أنها استراتيجية للبلاد تتجاوز من في البيت الأبيض.
بالطبع تلعب القيادة الموجودة في وقت ما دورا في تنفيذ السياسات، حتى لو كانت تستند إلى استراتيجيات لمؤسسات الدولة الرئيسية كالعسكرية والخارجية. وهذا ما يقلق حقا في سياسة الإدارة الأميركية الحالية فيما يتعلق بسوريا، والتي اتضح منذ 2016 أن واشنطن تركت الأمر برمته لروسيا، وإن ظلت ممسكة ببعض خيوط مع أطراف إقليمية في المنطقة، وكذلك بجماعات الإرهاب. ولعل الطرف الأساسي الذي يهم الأميركان في موضوع سوريا هو إسرائيل ومصالحها، وبالتالي ترى أن التعامل مع تركيا ضروري ومهم لضمان مصالح إسرائيلية محددة في أي تسوية للوضع في سوريا ـ بما في ذلك مستقبل ما تبقى من الجماعات الإرهابية. وبالطبع، لا يهم الإدارة الأميركية ـ مثلها مثل أي قوة تضع أولويات لمصالحها ـ تحالفات مرحلية مع هذا الطرف أو ذاك. وهنا يكون الأكراد هم الخاسر الأكبر من تلك السياسة الأميركية، ليس فقط بانسحاب قواتهم من سوريا (فقد تحمل المسلحون الأكراد القدر الأكبر من مواجهة داعش أساسا) وإنما بزوال طرف قوي كانوا يحسبونه في صفهم في مواجهة بقية الأطراف التي تناصبهم العداء….
ويستغرب المرء تصور البعض في المنطقة أن إدارة ترامب يمكن أن تناصب تركيا العداء لحماية الأكراد، أو أنها تلقي بالا لما يراه بعض القوى الإقليمية لا يصب في مصلحتهم. المهم لواشنطن هو مصلحة إسرائيل، وأنها وإن تركت سوريا للروس تريد الإبقاء على طرف خيط، وترى أن تركيا هي طرف الخيط الأفضل لها ولهدفها بحماية مصالح إسرائيل. فالحقيقة أنه بغض النظر عن التصريحات العنترية واللهجة الخطابية الحماسية تظل تركيا بلدا يسعى وراء مصالحه التي ربما تتقاطع مع الأميركيين الإسرائيليين أكثر منها مع أطراف إقليمية تقول أنقرة إنها تشاركها الدين والتراث. ومصلحة تركيا الرئيسية هي إضعاف الأكراد حتى لو باحتلال مناطق وجودهم في سوريا للحيلولة دون أن يشكل مسلحوهم أي خطر عليها. ويبدو أن الأطراف الأخرى، روسيا وإيران، يمكنها القبول بشكل من أشكال “الترتيب” مع تركيا مقابل إنهاء الحرب الداخلية في سوريا ومحاولة إعادة بناء البلد (ولو بناقص أجزاء تخضع لنفوذ تركي). ويبدو الجانب العربي هنا بلا أي تأثير تقريبا، ومن السذاجة التعويل على تأثير أميركي يصب في اتجاه مصالحه.
من هنا كان من الصعب استيعاب التهليل لتغريدات ترامب التي هدد فيها تركيا “إذا ضربت الأكراد”، إذ سرعان ما تحدث الرئيس الأميركي مع نظيره التركي رجب طيب أردوغان حول “تفاهمات” تلي انسحاب أميركا من سوريا. ومرة أخرى، ليس الأمر بحاجة للربط بانسحاب نحو ألفي جندي من القوات الأميركية من شرق سوريا، إنما هو إبقاء الأميركان على صلة ما بترتيبات سوريا كي لا تترك تماما لروسيا وإيران ـ ومعهم تركيا بالطبع. وما التفاهم بالنسبة للأتراك سوى تفريغ الشمال السوري من الوجود الكردي، وهكذا عاد الحديث عن “منطقة آمنة” بين سوريا وتركيا. وكلنا نعرف ماذا يعني ذلك؟ فما هو إلا مقدمة لاحتلال تركي لشمال سوريا، كما فعلت باحتلالها عفرين العام الماضي في ظل صمت كل الأطراف المعنية بالوضع في سوريا (بمن فيهم الأميركان والروس والايرانيون). ولا نريد أن نذكر بماضٍ بعيد حين احتلت تركيا لواء الأسكندرون السوري في نهاية ثلاثينيات القرن الماضي ثم ضمته رسميا إليها (كما تفعل إسرائيل بأراضي فلسطين وغيرها قطعة قطعة).
وما على العرب هنا إلا تكرار ما يقولونه عن “وعد بلفور” مطلع القرن الماضي حين وهب الإنجليز فلسطين للصهاينة بأن “من لا يملك يعطي من لا يستحق”. فكل ما سيفعله الأميركان أنهم بتوصلهم إلى “حل وسط” مع الأتراك سيمثلون غطاء ما لهدف تركي في مواجهة شركائه في سوريا: الروس والإيرانيين. والأرجح أن التفاهم الأميركي ـ التركي سيكون في سياق مساحة المنطقة الآمنة بطول أكثر من 800 كيلومتر من الحدود بين تركيا وسوريا. فقد كان الأتراك منذ سنوات يسعون إلى اقتطاع شريط حدودي بعمق 30 كيلومترا داخل سوريا، وذلك في وقت كانت الحكومة السورية فيه في أضعف لحظاتها أمام الحرب الداخلية التي يسهم الجميع في استمرار اشتعالها. أما الآن، فقد تكون تلك المساحة غير مقبولة. وربما يتركز التفاهم على ألا يكون النفوذ التركي بطول الحدود كلها، وإنما في مناطق تركز السكان الأكراد فقط. وبالتأكيد لن يكون التفاهم التركي ـ الأميركي مهما في حد ذاته ما لم يتفق الأكراد مع الروس والإيرانيين وبتغاضي الحكومة السورية العملي. ولا عزاء لبقية الأطراف.

إلى الأعلى