الأحد 21 أبريل 2019 م - ١٥ شعبان ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / الصين وإفريقيا عام 2019

الصين وإفريقيا عام 2019

علي بدوان

تُعتبر القارة الإفريقية ساحةَ عمل واستثمار اقتصادي واعد للصين الشعبية، حيث بَدأت بعض مواقع القرار الاقتصادي وحتى السياسي في الولايات المتحدة تتذمر وتشكو مما أسمته “الغزو الاقتصادي الصيني للقارة الإفريقية في سياق استراتيجية الهيمنة الهادئة لبكين” والتمدد لمناطق واقعة في الجهات الأربع من المعمورة. ووصل الانتقاد الأميركي لدور الصين الشعبية في القارة الإفريقية لدرجة غير مسبوقة عبر سلسلة تصريحات أخيرة أطلقها قبل أيام مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون أثناء جولته في المنطقة، والذي نادى بوضع استراتيجية أميركية جديدة للتعامل مع القارة الإفريقية في مسار إعادة ترتيب أولويات الولايات المتحدة في القارة السمراء، ومواجهة جهود الصين الشعبية وروسيا الهادفة لتطوير شراكات سياسية واقتصادية وأمنية في القارة السمراء، وهذه الاستراتيجية التي نادى بها جون بولتون، تلخص رد الفعل الأميركي المتأخر للنشاط المكثّف من جانب روسيا والصين في إفريقيا على مستوياته الاقتصادية والتجارية وحتى السياسية.
لقد اتجهت الصين الشعبية لتعزيز علاقاتها مع عموم الدول الإفريقية برؤية متكاملة، حتى أصبحت الآن من أكبر المستثمرين في العديد من الدول الكبيرة في القارة الإفريقية، وأحد أهم شركائها الاقتصاديين، خصوصا وأن للسياسات الصينية وقعا خاصا لدى الأفارقة، فليس للصين الشعبية من تاريخ استعماري أو كولونيالي استيطاني في تلك القارة من العالم، وهي دولة مؤسس في حركة عدم الانحياز منذ العام 1955، كما كانت داعية لحق الشعوب في تقرير مصيرها، واستقلالها الاقتصادي ودعم كفاح الأفارقة في خمسينيات وستينيات القرن الماضي ضد المستعمرين البيض.
وفي الواقع العملي الآن، أصبحت إفريقيا ثاني سوق خارجي للشركات الصينية منذ أكثر من عقد من الزمن. فالصين الشعبية الآن، شريك تجاري مهم في إفريقيا، حيث ازدهرت العلاقات الاقتصادية بين بكين وعدد كبير من دول القارة السمراء. والمعطيات المتوفرة من مصادرها الموثوقة، والمنشورة من قبل نشرة المصدر الاقتصادي (نشرة كنعان بإشراف الطاهر المعز)، تشير بأن التبادل التجاري بين الصين الشعبية والقارة الإفريقية عموما، قفز من 10.6 مليار في عام 2000 إلى 150 مليارا في 2010، ثم إلى 166.3 مليار في 2011، وفي 2012 وصل إلى 198.49 مليار، وكان 85.319 مليار من هذه المبالغ عبارة عن صادرات صينية لإفريقيا، وجزء آخر (113.171 مليار) واردات من إفريقيا للصين الشعبية. كما تشير بعض التقديرات إلى أن حجم التجارة في 2011 على سبيل المثال، كان أكثر من 200 مليار دولار، حيث بلغ إجمالي المبيعات الصينية في إفريقيا في حينها 36.1 مليار، وهذا يمثل30% من إجمالي مبيعات الشركات الصينية في الخارج في عام 2011. وتظهر بيانات البنك الدولي ومكاتب الاستشارات الأميركية أن مشاريع البنية التحتية في إفريقيا بما في ذلك استثمار النفط في عدة دول كنيجيريا، مكّنت الشركات الصينية من جني عائدات بقيمة خمسين مليار دولار سنويا.
إن الصين الشعبية، ترى في القارة الإفريقية ميدانا فسيحا لها، على المستوى التجاري والاقتصادي، عندما بدأت بترويج السِّلع الرخيصة والعملية، بعيدا عن مزاحمة رأس المال الأميركي والأوروبي والياباني، والسلع المنتجة في تلك الدول والضاغطة على معيشة السكان والمواطنين الأفارقة بسبب من ارتفاع ثمنها، ثم بدأت شركات الصين (وهي شركات حكومية) تستثمر في النفط الإفريقي والمواد الخام في السودان ونيجيريا وغيرها من البلدان، وتعمل على تشغيل أكثر من مليون صيني كخبير ومهني في عموم دول القارة الإفريقية، وعلى الأخص في قطاعات الطاقة والبنية التحتية.
إن الصين الشعبية، تنظر إلى إفريقيا على أنها مصدر مهم لإمدادها بحاجتها المتزايدة من المواد لخام كالمعادن، حيث تمتلك إفريقيا أكثر من 15% من احتياطيات النفط العالمية و40% من احتياطات الذهب ونحو30% من الموارد المعدنية العالمية، وأكثر من 60 معدنا مختلفا، وحتى النفط السائل، بالإضافة إلى الفرص الواعدة للتجارة والاستثمارات الصينية، مع وجود الكثافة السكانية المتزايدة في إفريقيا وقوتها الشرائية، والحاجة الماسة لوجود بنية تحتية اجتماعية واقتصادية، ولا ننسى في هذا المقام التذكير بارتفاع عدد السكان في القارة الإفريقية حيث بلغ نحو1,2 مليار نسمة منهم حوالي 40% دون سن الخامسة عشر، ويتوقع أن يرتفع عدد السكان ليصل إلى 2,4 مليار نسمة سنة 2050، وسيشكل سكان إفريقيا حوالي 25% من سكان العالم ومن القوى العاملة بحلول سنة 2050.
أما على الجانب السياسي المتلاصق مع المسائل الاقتصادية والتجارية، نلحظ أن الصين الشعبية، تتبع سياسات هادئة في إفريقيا، لكنها ولأول مرة في تاريخها، قامت بإرسال جنود من جيشها في إطار مهمات الأمم المتحدة لحفظ السلام وتحت عنوان “مهمات إنسانية” في مناطق مختلفة من القارة الإفريقية. وزادت على ذلك بإنشاء قاعدة عسكرية لها في جيبوتي، وهي قاعدة عسكرية لها موقعها الاستراتيجي المشرف على ملتقى القارات وعلى طريق تجارية مهمة عبر البحر الأحمر والخليج والمحيط الهندي، قبالة سواحل اليمن، وهي القاعدة العسكرية الوحيدة للصين الشعبية خارج أراضيها.
وفي مطلق الأحوال، إن المعلومات والمعطيات المنشورة، تشير إلى أن الحجم الراهن للاستثمارات الصينية المشغلة فعلا في القارة الإفريقية تقع في حدود 142 مليار دولار، ووعود معلنة بحوالي 167 مليار للسنوات العشر القادمة. فيما لم يعلن مستشار الأمن القومي الأميركي في تصريحاته الأخيرة قبل أيام خلت عن مشروعات إنمائية مدروسة في القارة السمراء، بينما للصين الشعبية مشروع في تنزانيا لبناء ميناء كبير على شاطئ باجومويا، ولها في جيبوتي إلى جانب قاعدتها العسكرية، وهناك عرض من روسيا لإقامة قاعدة عسكرية ومشروعات إنمائية في عدد من دول القرن الإفريقي.
وفي الاستخلاصات الأخيرة، يمكن القول بأن القارة الإفريقية ستكون خلال العام الجديد 2019 ميدانا للتنافس بين الولايات المتحدة من جهة وكل من الصين الشعبية وروسيا من جهة ثانية، وعلى كل المستويات، وهو ما قد يفتح المجال أمام احتكاكات سياسية عالية المستوى في صراع النفوذ والعلاقات مع دول القارة السمراء.

إلى الأعلى