الخميس 23 مايو 2019 م - ١٧ رمضان ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / بين الهدر والآمال

بين الهدر والآمال

عادل سعد

إذا كان هناك من هدر عربي يستحق الاعتراف به فهو الاختصاص بضياع العديد من فرص الشراكة الاقتصادية القومية، أي الشراكة البينية العربية ـ العربية، مع ملاحظة وجود ملفات مشاريع مركونة على رفوف جامعة الدول العربية أغلبها يتطرق للتنمية المنشودة منذ تأسيس السوق العربية المشتركة في الستينيات من القرن الماضي، مرورا بقمة عمّان الاقتصادية عام ١٩٨١، ثم القمة الاقتصادية في الكويت، وصولا إلى مشاريع وآمال عربية بإقامة أنواع من الشراكات الثنائية والإقليمية بين بعض الدول العربية.
إن مناسبة هذا التشخيص تأتي انتظارا لانعقاد القمة الاقتصادية العربية في العاصمة اللبنانية بيروت، والخشية هنا ليس من قلة المشاريع التي يمكن أن تناقشها القمة، ولا عن فرص عمل بالإمكان اعتمادها لمواجهة التحديات الاقتصادية التي تعصف بالمنطقة العربية، وإنما الخشية أن تتخذ سلسلة قرارات وتوصيات لإقامة مشاريع مشتركة ثم تذهب هذه الملفات لتستقر مع ملفات مماثلة دون أن تجد طريقها إلى التنفيذ، ولعل ما يعزز هذه الخشية أن الظروف الحالية التي تمر بها المنطقة العربية ما زالت ضمن خط التوتر والتناقضات وتبادل التهم السياسية والأمنية مع زخم كبير من الشكوك ومحاولات إحباط بعضها بأصابع إقليمية وأخرى بأصابع دولية، نستطيع أن نستدل عليها من الانخفاض المريع في التبادلات التجارية بين الدول العربية، فلقد انخفضت نسبتها إلى ٢,٥٪ قياسا لما كانت عليه في العقود السابع والثامن والتاسع من القرن الماضي، في حين ارتفعت معدلات التبادل التجاري بين الدول العربية ودول أجنبية إلى نسب غير مسبوقة يرافقها انخفاض واضح في الميزان التجاري العربي العام لصالح تلك الدول الأجنبية، يضاف إلى ذلك أن العديد من المشاريع والمؤسسات التي استحدثت من أجل أن يكون هناك هامش عربي مشترك للعمل الخدمي والتنموي قد أصابها العطب بنسخ الترهل والضمور والتذبذب إن لم يكن الإفلاس والموت السريري مع كل الوعود السابقة أن تكون بعض الدول العربية ومنها السودان وسوريا والمغرب والجزائر سلة غذائية تستطيع أن تحقق الاكتفاء الذاتي لكل العرب بدون أية مخاوف من احتمالات الابتزاز التجاري الذي تمارسه بعض الدول الكبرى المتنفذة ضد البلدان العربية في إطار مسعى من القوة الناعمة لربطها في اقتصادات عابرة للأقاليم والقارات، وهكذا مثلا أن أي ارتفاع في أسعار القمح عالميا، أو ارتفاع في أسعار غلات أخرى تجد صداه المباشر في السوق العربية وما يتبع ذلك من أضرار فادحة للمستهلك.
إن الخريطة المحتملة لقمة بيروت الاقتصادية ستكون في أكثر من منفذ واحد مغلق، خصوصا وأن سوريا لن تكون مشاركة فيها، وهذه مفارقة مؤلمة إذا أخذنا بعين الواقع أن المنفذ الأساسي الجغرافي للاقتصاد اللبناني هو سوريا، وأن هناك فرصا كثيرة متوفرة للتكامل التنموي والتجاري بين البلدين المتجاورين، وبيقين آخر أن فرصة هذا المؤتمر لن تكون سانحة أصلا إذا أخذنا بالتشخيص، القطيعة بين بعض الدول العربية، واستمرار المشكلة الليبية التي أدت إلى تعطيل الكثير من إمكانات ليبيا المالية، في حين أن سوق الاستثمار العربي بحاجة لها، وحسابا على الواقعين المحلي والدولي أن فرصة العرب في تبلور شراكة قومية اقتصادية حقيقية بينهم ليست في متناول اليد مع الضغوط التي تتعرض لها من النفوذ الأميركي والأوروبي والروسي أيضا والإغراءات الاستثمارية والتجارية التي تقدمها الصين واليابان، لكن الإفلات من هذا الطوق المرير ممكن إذا توفرت النيات الصادقة وعزل القادة العرب خلافاتهم السياسية جانبا، وانتبهوا إلى المخاطر التي تهددهم من خارج الرقعة العربية، مع ملاحظة أن أغلب الاقتصادات العربية تعتمد على الريع المالي ومتلازمة العجز وما يتبع ذلك من مخاطر الانكشاف، كما هو الحال في السودان ومصر وتونس وربما بلدان عربية أخرى ولكن بنسب أقل.
السؤال: هل يسخن الأمل العربي في قمة بيروت الاقتصادية رغم الطقس البارد الذي يضرب لبنان؟ نأمل ذلك.

إلى الأعلى