الأربعاء 20 فبراير 2019 م - ١٥ جمادى الأخرة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / ما هذا الافتتان بالجدران؟!

ما هذا الافتتان بالجدران؟!

أ.د. محمد الدعمي

يضطر المرء للشعور بالحيرة حيال عدم تحاشي الأميركان أو تجاوزهم وتجاوز الأميركان تهمة “المعايير المزدوجة” التي ألقت بظلالها على سياساتهم منذ زمن طويل. للمرء أن يلاحظ ذلك في سياق ما قالته نانسي بيلوسي، المتحدثة الرسمية باسم الكونجرس، عندما عبرت عن مسببات احتجاجها على مشروع الرئيس دونالد ترامب لبناء جدار عازل على الحدود الجنوبية مع المكسيك.
أما سبب الحيرة، فهو أنها قد وصفت مشروع الجدار بأنه “عمل لا أخلاقي”، بمعنى أنه مشروع يناقض ما أطلقت عليه “قيمنا ودورنا”، ولم أزل حائرا لماذا هي لم تنبت ببنت شفة حول ما يجري حول العالم اليوم من بناء للجدران ودفع للحواجز الفاصلة: علما أنها جميعا حجج من نوع “إجراء أمني”. بيلوسي لم تحتج على قيام إسرائيل ببناء جدران فصل عنصرية متعددة لعزل الفلسطينيين من الأراضي المحتلة. ولكنها تعترض الآن على “مشروع أمني” من ذات النوع بوصفه إجراءً لا أخلاقيا.
والحق، يبدو أن الجدران أصبحت “تقليعة” هذا العصر في نظر العديد من القائمين على سدة الحكم في دول متعددة، بغض النظر عن أبعادها اللاأخلاقية والمعاكسة للطبيعة التضاريسية. بل إن اللافت هو أن الافتتان بالجدران والعوازل صار من الصفات “الحميدة” التي يتباهى أولو الأمر في العديد من الدول بالاضطلاع بها، وكأنهم يمزقون العالم بهذه العوائق، بعد أن كان عالمنا هذا حتى أواسط القرن الماضي عالما مفتوحا، وكما كان عبر العصر الوسيط، لولا ما اصطنعه أهل الحل والعقد من مشاكل وخصومات ونزاعات حدودية قادت إلى عدم اكتفاء الدول بالثغور الحدودية الرسمية ما بينها وبين الدول الأخرى دولة وأخرى، باحثة عن الجدران الخانقة، تلك التي تميط اللثام عن مستقبل أشبه ما يكون بأن تضع الدول نفسها في زنزانات من صنعها هي طوعا.
بل إن للمرء أن يبقى حائرا حول ما سيحدث للمجاميع السكانية من البدو الرحل، أي هؤلاء الذين يقرر بحثهم عن الماء والكلأ بقاءهم خلف خطوط الحدود الوهمية الفاصلة بين بادية وبادية. إنه نوع من تحطيم لتقاليد بداوة سابقة لوجود الدولة الحديثة، أي عندما لم يكن الإنسان بحاجة إلى “جواز سفر” أو إلى “تأشيرة” للانتقال بين سوريا والعراق وتركيا، بل وحتى ما بين بعض الدول العربية وإسرائيل. إن صناعة وتسويق الجدران والعوازل تنذر بعالم متشرذم لا يمت بصلة لحقائق التاريخ والجغرافيا الطبيعية قط.

إلى الأعلى