الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / أصداف .. العثور على المسلة السوداء

أصداف .. العثور على المسلة السوداء

وليد الزبيدي

في منتصف القرن التاسع عشر، عثر على المسلة السوداء في معبد ننورتا، وهي معروضة في المتحف البريطاني، وتتكون هذه المسلة من كتلة ارتفاعها ستة أقدام مصنوعة من المرمر الأسود تنتهي بعدة دكات تشبه الزقورة الصغيرة، دُون حولها نص مسهب يقدم تعريفًا بحروب الملك، بينما تبين لنا خمسة ألواح منقوشة في كل جانب دفعات الجزية المقدمة من قبل البلدان الأجنبية المختلفة، بضمنها مملكة إسرائيل وتبين المنحوتات إن ملكها (جيهو) وهو يحبو عند قدمي الملك الآشوري.
وفي الجهة العليا من المسلة يشاهد الملك شلمنصر الثالث بنفسه، يتلقى الجزية من شوعه ملك (جلزام) وفي الثاني، يتلقى الجزية من يهو ملك إسرائيل في أرض عومري، ويرى الملكان ساجدين يقبلان الأرض عند أقدام شلمنصر، وهذا النص ورد في الحقل الثاني من المسلة، (الجزية من يهو التابع لبيت عومري فضة وذهب: كأس ذهبية، طوس ذهبية، كأس كبير من الذهب، أباريق ذهبية، كمية من الرصاص، عدد من الصولجانات، أدوات مصنوعة من خشب البلسام، كل ذلك تسلمت منه).
ولما كان ملك يهو ملكًا على إسرائيل بين سنة 841و813 ق.م فمعنى ذلك أن شلمنصر كان قد أخضع إسرائيل للجزية طيلة مدة حكمه.
وجاء إلى الحكم تجلات بلاشر الثالث (746-727 ق.م) الذي وسع من مساحة الإمبراطورية الآشورية، ومن بين الحملات العسكرية التي قادها كانت حملته على مملكة آرام، إذ استولى على عاصمتها دمشق سنة 732 ق.م ثم توجه إلى إسرائيل، واستولى على جميع أراضيها ما عدا السامرة، وضمها إلى آشور وحمل سكانها اليهود إلى المناطق الجبلية، وورد ذلك أيضًا في التوراة وسميت بيت عومري بملك إسرائيل (2مل 15: 29؛1 أخ 26:5) وقد عثر على مسلة آشورية، نقش عليها شرح كامل لحملة تجلات بلاشر الثالث على بلاد آرام وعلى إسرائيل.
ولكثرة ما تتردد كلمة مملكة إسرائيل في سرد الأحداث التي حصلت إبان الحكم الآشوري، يناقش العلامة الدكتور أحمد سوسه هذه المسألة ويقول، إن التوراة هي المصدر الوحيد الذي يدعي بوجود مملكة تسمى إسرائيل، كما أن المعلومات عن مملكة يهوذا والعصر الذي كان قد سمي قبلًا بمعبد الملوك (شأول وداود سليمان) مستقاة من التوراة وحدها أيضًا، والتوراة كما معلوم من وضع الكتبة اليهود في وقت متأخر، دونت في بابل وهي مشحونة بالأساطير والمبالغات، التي لا مجال لتصديقها ويعالج قصص التوراة بتفاصيلها كمال الصليبي في كتابه (خفايا التوراة وأسرار شعب إسرائيل، دار الساقي 1998).
وتعمدنا الإشارة إلى هذه المداخلة، لأن المرحلة التي نتحدث عنها مهمة في تاريخ يهود العراق خاصة، وتاريخ اليهود بصورة عامة، وهي الفترة التي سبقت مرحلة نبوخذ نصر، وحصلت قبل أن يبدأ حاخامات اليهود في بابل كتابة التوراة بعدة قرون، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن أحبار اليهود تعمدوا جعل تاريخ كتابة تلك الأحداث في بابل مجهولة، حتى لا يقارن الدارسون، بدقة بين الكثير من الأحداث، مع ما يحصل في ذلك الوقت من أحداث ووقائع أخرى.
ويعود ذكر مملكة إسرائيل عند الحديث عن الحملة الآشورية الثالثة على السامرة، والتي حصلت في زمن سرجون الثاني، بعد أن حاصر المدينة القائد الآشوري شلمنصر الخامس (727-722 ق.م) والذي توفي بعد أن حاصر جيشه المدينة ثلاث سنوات، وأتم خلفه سرجون الثاني احتلال السامرة والقضاء على مملكة إسرائيل نهائيًّا (2مل 9:18؛17: 6) وأضاف سرجون الثاني إلى يهود المناطق الجبلية في حملته تلك سبعة وعشرين ألفا ومئتين وتسعين شخصًا من اليهود في السامرة.

إلى الأعلى