الجمعة 20 أكتوبر 2017 م - ٢٩ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / أنباء من غياهب مستقبل مضطرب

أنباء من غياهب مستقبل مضطرب

أ.د. محمد الدعمي

على الرغم من أن إعلانها لم يزل قريبًا، بضمن مدى سنة واحدة لا أكثر، إلا أن “داعش” تبقى أخطر وأكثر العوامل الفاعلة والحاسمة على مسرح الشرق الأوسط الآن وفي المستقبل المنظور. ليست هذه افتراضية صماء غير مبتناة على معطيات مادية ملموسة، بدليل التغيرات الإقليمية الجارية على قدم وساق الآن، وجميعها تغيرات تنذر بتقلب الأحوال والمواقف على نحو يصعب على المراقب رصده والتنبؤ به.
من ناحية أولى، وحسب معطيات “طازجة” وصلت اليوم، هناك ثمة اتجاه قوي لدى الإدارة الأميركية والحكومة البريطانية يؤيد نقل تسليح البشمرجة (القوات الكردية في شمال العراق) من الأسلحة الخفيفة ونصف الثقيلة إلى الأسلحة الثقيلة. وهذه ليست بالقضية الهينة، خاصة وأن أهم الاعتبارات بالنسبة لواشنطن هو ليس وحدة العراق وبقائه متماسكًا، بل هو الأمن القومي الأميركي، علمًا أن تزويد “البشمرجة” (وهي بالأصل ميليشيات حرب عصابات اعتمدها الكرد لمقاومة قوات الأنظمة العراقية المتتالية منذ أواسط القرن الماضي) بالمدفعية والدبابات، كما طالب وزير الأمن الكردي في مقابلة مع الـCBS يوم الثلاثاء الـ9 من سبتمبر، نقول بأن تزويدهم بالأسلحة الثقيلة أعلاه يعني النهاية لبقاء العراق متماسكًا، بكل تأكيد: لأن الأكراد يريدون هذه الأسلحة لمحاربة داعش الآن، بينما تتركز أعينهم على استعمالها لدق إسفين بين أربيل وبغداد الآن وإلى الأبد. وهم لا يخفون هذا الأمل بالانفصال. لنلاحظ بأن هذا إذا ما حدث فإن سلسلة التداعيات بين الكرد والعراق وإيران وتركيا وسوريا ستنطلق على نحو تسلسلي متواتر قد يكون بلا نهاية!
ومن الناحية الثانية، يعتقد الكثيرون في عالمنا العربي الذي غالبًا ما يقسر على لعب دور الفاعل أو المفعول به السالب، المتلقي لآثار سياسات الفعلة القسريين من خارجه، أن واشنطن ودمشق قد وصلا حدًّا من العداء أنهما لا يمكن أن يلتقيا قط. والحق، فإن للمرء أن يفترض، حسب معطيات وضرورات الأمن القومي الأميركي، أن واشنطن ستبذل جهودًا قوية لدفع طهران وموسكو في سبيل إقناع الرئيس السوري، بشار الأسد، بالتنحي، إلا أن هذا، كما يعرف الأميركان جيدًا ضرب من ضروب الخيال، لأن الأسد بعدما قدم من تضحيات من أجل بقائه وبقاء نظامه لا يمكن أن يقدم على خطوة مثل هذه حتى لو حاول الروس والإيرانيون إقناعه بذلك. والمعنى الأخير والنهائي لهذا الجدل هو ما أتوقعه من محاولة واشنطن التقرب من الأسد مقابل موافقته على التنسيق والتعاون من أجل اجتثاث “داعش”، ذلك الخطر الكبير الذي يحيق بالولايات المتحدة.
إن الولايات المتحدة دولة يقود إدارتها براجماتيون قد يفعلون أي شيء وكل شيء من أجل الحفاظ على أمنهم القومي. أما المخاطر المحيطة ببقاء ووحدة العراق أو ببقاء الأسد ونظامه على رأس السلطة في دمشق، فهذان أمران لا يخصان واشنطن على نحو مباشر ذي صلة بأمنها.
أما أن يعقد بعض اللاعبين الإقليميين مؤتمرات واجتماعات مع التأكيد على تجاهل سوريا والعراق، فإن هذا النوع من الأنشطة لا يمكن قط أن يغير اتجاه مسار واشنطن المركز فقط على أمنه كأساس ومعيار أوحد لكل شيء.

إلى الأعلى