الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / جريمة استهداف المسيحيين والأقليات

جريمة استهداف المسيحيين والأقليات

د. فايز رشيد

“داعش” يستهدف المسيحيين والأقليات في الأماكن التي يحتلها ويقيم فيها “دولته العظمى ـ إمارته الإسلامية”. “داعش” يتفنن في تهجيرهم من بيوتهم وأماكنهم, وفي ذبح العديدين منهم وعلى الطريقة “الإسلامية”! وسبي نسائهم وبناتهم وبيعهن في سوق النخاسة. يحدث ذلك باسم الإسلام العظيم (الذي هو براء من داعش وتعاليمه), فالإسلام دين المحبة والمساواة والتعايش مع الأديان والأقليات الأخرى. هكذا تربينا على الإسلام الحنيف الذي هو يتعاكس مع فتاوى “داعش” وأساليبه وجزه للرقاب! “داعش” يتقاطع ويتماهى مع المخططات الصهيونية والغربية لتفتيت العالم العربي إلى دويلات طائفية واثنية متحاربة مع بعضها البعض. باختصار يهدف إلى تخريب النسيج الاجتماعي للأمة العربية من خلال إثارة الصراعات المذهبية والطائفية والإثنية. للتدليل على صحة ما أقول: اعتراف هيلاري كلينتون في مذكراتها المنشورة حديثا: بأن الولايات المتحدة هي التي أنشأت داعش. كذلك: الداعشيون يقتلون الشيعة والسنة (وهم يدّعون حماية الأخيرة!) لذلك فخطرهم عام عل كل المذاهب والأديان والأقليات. “داعش” لا يقذف إسرائيل بحجر منذ نشأته وحتى اليوم! وليس في نيته ذلك. هذا هو داعش باختصار.
من الحقائق أيضا: كان لافتًا للنظر، التصريح الذي أدلى به الرئيس جورج بوش الابن بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، بأن ما سيقوم به (هو حملة صليبية جديدة ضد ما أسماه الإرهاب الدولي). بالمقابل فإن أسامة بن لادن قبل مقتله، أعلن في تصريح قديم له (الجهاد ضد الصليبية والمسيحية). من جانب آخر، فإن كثيرين من سياسيي الغرب ومفكريه: بريجنسكي، هنتجتون، كيسينجر وغيرهم يؤكدون وفي كتاباتهم على: ارتباط المسيحية العربية بالغرب، لذا فمن وجهة نظرهم فإن المسيحية في المشرق العربي, هي ظاهرة غريبة على العرب، وينكرون عروبة المسيحية بتغريبها وادعاء غربيتها، أو يحاولون تصويرها وفقًا للكاتب اللبناني جورج حداد: بأنها دخيلة ومستوردة, في البلاد العربية.
بالمقابل، فإن جزءًا لا يستهان به من بعض الكتّاب والمحللين والأيديولوجيين العرب، وكذلك جزء من الاتجاهات الإسلامية, ترى مثل هذا الارتباط العضوي, وتؤكد عليه.
بدايةً، فإن المسيحية: هي إحدى الظواهر العربية كما تبين الأحداث التاريخية, وأبحاث كثيرة، نشأت في فلسطين والمشرق العربي, ويسميها البعض بــ(النبتة الوطنية العربية التي ظهرت ونشأت في التربة الوطنية العربية ـ جورج حداد)، وفيما بعد تم نقل مركز القرار المسيحي إلى روما, في عهد الإمبراطورية الرومانية ـ البيزنطية.
وبعيدًا عن التسلسل التاريخي الممل للكثيرين، فلا يستطيع أحد إنكار دور المسيحيين العرب في النهضة العربية، منذ القرن التاسع عشر وحتى اللحظة، ولا دورهم الأساسي في الحركة القومية العربية, ولا في الثقافة العربية: المفهوم الأشمل من العقيدة الدينية، ولا في الحضارة العربية, التي تعتمد على البنية المؤسسة في حياة الشعوب. وأيضًا في حركة التحرر الوطني العربية, بمعنى أن المسيحية هي إحدى البوتقات الأولى لظهور حركة القومية العربية.
وبالرغم من اتفاقي المطلق مع ما يصل إليه المفكر العربي جورج قرم في كتابه القيم (انفجار المشرق العربي), عن استحالة كتابة التاريخ العربي من منظور الدولة القطرية، إلاّ أنني سأتطرق إلى لمحة موجزة (لا تفي الموضوع حقه, سوى من إشارات) إلى دور المسيحيين العرب في النضال الوطني الفلسطيني، باعتباره القضية الأبرز في القرنين الزمنيين الماضي والحالي، ولخصوصية الصراع, باعتباره انطباقًا على المشاركة النضالية للمسيحيين في كافة الأقطار العربية الأخرى.
لقد شكّل المسيحيون العرب ما يقارب الــ50% من عدد سكان مدينة القدس وفقًا لإحصائية 1922. استشعر المسيحيون الخطر الصهيوني منذ نهايات القرن التاسع عشر, وبدايات القرن العشرين (كتابات الأب هنري لامنسي اليسوعي، كتاب نجيب العازوري بعنوان: يقظة الأمة العربية, صدر في باريس في عام 1905، الذي بين بوضوح حقيقة الصراع العربي ـ الصهيوني, وهذا على سبيل المثال لا الحصر.
لقد افتتح المسيحيون العرب آنذاك: المدارس، النوادي (نادي الاتحاد الأرثوذكسي), وأيضًا من خلال المشاركة في المؤسسات والوفود الوطنية العربية, للمؤتمرات الدولية التي جرى عقدها لبحث القضية الفلسطينية, (وهي مؤتمرات كثيرة), أو المشاركة في تعيين الحاج أمين الحسيني, مفتيًا للقدس.
وصلت وحدة التناغم بين المسلمين والمسيحيين إلى الحد: أنه وبعد الفتوى الدينية الإسلامية في 7 آب 1934: بتكفير كل عربي, يبيع, أو يتوسط لبيع, أراضٍ للصهاينة.. قامت الطوائف المسيحية بإصدار نفس الفتوى للمسيحيين. هذا يذكر: بمنع البابا شنودة منذ احتلال 1967 وحاليا, للأقباط, من الحج إلى فلسطين, ما بقيت تحت الاحتلال الإسرائيلي.. ويؤكد في تصريحاته على: أن الأقباط لن يدخلوا القدس إلا مع إخوانهم المسلمين, (ظل هذا الموقف قائما برغم اتفاقيات كامب ديفيد).
لقد شارك المسيحيون العرب في كل الثورات الفلسطينية بدءًا من التظاهرات وصولًا إلى المقاومة المسلحة (ثورة البراق، والثورة الفلسطينية الكبرى). لم تميز بريطانيا بين المناضلين المسلمين والمسيحيين فبعد مقتل حاكم لواء الجليل اندروز في أكتوبر عام 1937, قامت بنفي بعض أعضاء اللجنة العربية (مسلمين ومسيحيين) إلى سيشيل.
لقد شارك المسيحيون الفلسطينيون في مقاومة الاحتلال الصهيوني لفلسطين في عام 1948، ووقفوا ولا يزالون ضد الاحتلال الصهيوني للضفة الغربية وغزة، وللأراضي العربية الأخرى في حرب عام 1967، وشاركوا وأسهموا بفعالية كبيرة في الثورات العربية, والثورة الفلسطينية المعاصرة: (أنطون سعادة, قسطنطين زريق, ميشيل عفلق، جورج حبش, وديع حداد، نايف حواتمة، المطران كبوتشي، وغيرهم كثيرون…. وهذا أيضًا على سبيل المثال لا الحصر).
المسيحيون العرب هم جزء رئيسي من مكونات أمتنا العربية، والتاريخ الإسلامي يدعو إلى الحفاظ على المسيحيين، وليس أدل على ذلك من العهدة العمرية، ورفض الخليفة عمر بن الخطاب الصلاة في كنيسة القيامة، خوفًا من استغلال الحادثة فيما بعد من قبل بعض المسلمين. وللعلم فإن مفاتيح الكنيسة ما زالت مودعة منذ القدم لدى عائلة مسلمة. هذا هو التعايش الحقيقي بين المسيحية والإسلام، وليس كما تفهمه القوى الظلامية، والتي يُطلق عليها خطأ: الأصولية الإسلامية، فللإسلام تعاليم واحدة، إنسانية، تعايشية، عقيدية، تحترم خصوصيات الأديان الأخرى.
لنعزز من الوحدة الإسلامية ـ المسيحية لمواجهة كافة المخططات والمؤامرات التي تستهدف أمتنا الواحدة.

إلى الأعلى