الثلاثاء 30 مايو 2017 م - ٤ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / فلسطينيو القطاع وسوريا والعام الدراسي الجديد

فلسطينيو القطاع وسوريا والعام الدراسي الجديد

علي بدوان

بينما يستعد تلاميذ المدارس وعموم طلبة العِلم في المرحلتين الإعدادية والثانوية، في أجزاء كثيرة من العالم العربي لبدء عامهم الدراسي الجديد، فإنه من المفترض على نصف مليون تلميذ وطالب من اللاجئين الفلسطينيين أن يعودوا إلى أكثر من (650) مدرسة تابعة لوكالة هيئة الأمم المتحدة (الأونروا) في مناطق عملياتها الخمس (لبنان، الأردن، الضفة الغربية، قطاع غزة، سوريا)، لكن الكثير منهم لا يستطيعون العودة لمدارسهم وتحديدًا في مناطق قطاع غزة، حيث بات العدد الكبير من مدارس القطاع ملاذًا للاجئين الفلسطينيين الذين أصبحوا دون مأوى جراء العدوان الهمجي “الإسرائيلي” الأخير على القطاع، وحيث لا يزال عشرات الآلاف من التلاميذ والطلاب من أبناء قطاع غزة ولاجئيه في عداد النازحين، ويتوقع أن يبقى عدة آلاف منهم مُحتمين في مدارس وكالة الأونروا لعدة أشهر مُقبلة بسبب تدمير منازلهم ودورهم السكنية. في حين يجب أن يتم إجراء مسح للمدارس الشاغرة لإزالة بقايا الذخائر غير المنفجرة وإصلاح الأضرار الناجمة عن القصف “الإسرائيلي” للقطاع طوال خمسين يومًا.
إن الفاتورة الباهظة التي دفعها الشعب الفلسطيني نتيجة العدوان الصهيوني على القطاع، كان من نتائجها تَشَرّد حوالي ثلاثمئة ألف شخص، لم يجدوا أمامهم سوى مدارس وكالة الأونروا، حيث أقاموا مع عائلاتهم في نحو (85) مدرسة من مدارس وكالة الأونروا. فقد كان القصف الجوي “الإسرائيلي” قد تَرَكَّزَ على الجزء الغربي من قطاع غزة، في المربع الذي توجد فيه جميع مراكز الإيواء الطارئ التي تديرها وكالة الأونروا، وحيث يوجد الجزء الأعظم من السكان المدنيين الذين طالتهم نيران قوات الاحتلال.
في هذا السياق، وأمام الحالة الإنسانية الصعبة، وأمام المهمات الكبيرة التي تقوم بها وكالة الأونروا، فإن الوكالة كانت قد أطلقت قبل أيام نداءً عاجلًا للدول المانحة (دول الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وكندا واليابان) من أجل تأمين مبلغ إجمالي قدره (295,4) مليون دولار أميركي لدعم ما يصل إلى نصف مليون شخص من المهجرين، بمن فيهم أكثر من ثلاثمئة ألف شخص يتوقع أن يواصلوا الإقامة في مدارس وكالة الأونروا. فالمدنيون الذين وقعوا دائرة عنف الاحتلال بحاجة إلى مساعدة لتلبية احتياجاتهم الفورية، ولدعم مسار التعافي النسبي الطويل الذي يتوقع أن يبدأ بعد التوقف الأولي لإطلاق النار.
وفي ساحة عمليات وكالة الأونروا في سوريا، سيعود العدد الأكبر من تلاميذ وطلاب لاجئي فلسطين في سوريا إلى المدارس البديلة التي أقامتها وكالة الأونروا على عجل بعد مرور نحو عامين على كارثة المخيمات والتجمعات الفلسطينية فوق الأرض السورية، والتي تم اجتياحها، وتدمير عدد كبير من مدارس الوكالة، وإلحاق الضرر بمرافقها وبناها ومؤسساتها الخدمية.
ففي واقع الحال، وفي منطقة عمليات وكالة الأونروا في سوريا، فإن هناك (42) مدرسة فقط، من أصل (118) مدرسة تابعة للأونروا لا تزال تعمل. وبعضُ هذه المدارس تعمل الآن ضمن ثلاث نوبات متتالية، حيث تُشغل الوكالة أيضًا فصولًا دراسية في (36) مبنى بديلا. للتلاميذ والطلاب الذين سيتمكنون من الوصول إلى التعليم، حيث لا تزال صدمة فقدان المنازل وزملاء الدراسة تؤثر في قدرتهم على التعلم، في حين تسرب العديد من الأطفال الأكثر فقرًا من المدرسة بسبب تخفيض أسرهم للنفقات في سبيل البقاء. إضافة إلى ذلك فإن عشرات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين قد نزحوا من سوريا إلى الدول المجاورة، إلى لبنان، والأردن على وجه الخصوص. وهنا، يواجه الطلاب المُسجلون في مدارس جديدة في كثير من الأحيان صعوبة في التأقلم مع أقرانهم الجدد والتكيف مع المنهاج الجديد.
لقد بادرت وكالة الأونروا لتحسين البيئة التعليمية للاجئين الفلسطينيين المتضررين من في سوريا عبر مشروع (صوتي ـــــ مدرستي) والذي سوف يوظف تكنولوجيا الاتصال الحديثة لربط فصول دراسية في سوريا والأردن ولبنان مع فصول دراسية في المملكة المتحدة، حيث ستسمح محادثات الفيديو عبر (الإنترنت) والمدعومة من الشركة البريطانية التعليمية الاجتماعية، وديجيتال إكسبلورر، ومنصة (سكايب العالمية) للطلاب، الدفاع عن حقهم في التعليم ومستقبله، وتبادل الأفكار حول ما يرفع ويرتقي بجودة التعليم.
إن توفير الدعم المالي لوكالة الأونروا، وحث المجتمع الدولي بالتبرع للوكالة مهمة عربية عاجلة، من أجل دعم ميزانية الوكالة، ودعم برامجها المُعلنة التي يجري تنفيذها، من أجل بلسمة جراح الشعب الفلسطيني المنكوب على أرض قطاع غزة، ومساعدة لاجئي فلسطين فوق الأرض السورية.
لقد حَفَرَ الفلسطينيون طريقهم بأظافرهم، وبنوا مجدهم التعليمي والدراسي من داخل الصفوف المدرسية التي كانت تتم تحت شوادر الخيام سنوات النكبة الأولى، واستطاعوا وبروح الأمل والتفاؤل والتصميم، أن يواصلوا تحصيلهم العلمي دون أن يقفوا أمام العوائق الكبرى التي كانت تعترض مشوارهم العلمي والتحصيلي. ووصلوا بذلك الى أعلى مراتب التحصيل، حيث تشهد جامعات العالم بأسره على تفوقهم، ووصول البعض منهم إلى مراتب عليا من جامعات إنجلترا وفرنسا إلى جامعات الولايات المتحدة وحتى وكالة ناسا الأميركية.
وهنا نستشهد بما قاله المفوض العام لوكالة الأونروا (بيير كراهينبول) قبل أيام “لقد مَسَ الصراع والحرمان أطفال لاجئي فلسطين في غزة والضفة الغربية والأردن ولبنان وسوريا. في حين جَلَبَ وقف إطلاق النار في غزة في السادس والعشرين من آب/أغسطس ارتياحًا مُرحبا به بالنسبة للتلاميذ الذين تحملوا أسابيع من العنف الهائل، فإن أيًّا من (241,000) من تلاميذ وطلاب قطاع غزة، سيتمكن من العودة إلى المدرسة في الوقت المحدد. والأمر قد يستغرق وقتًا بالنسبة لهم ليتمكنوا من اختبار أي شيء قريب من روتين المدرسة العادية، ومع ذلك ستشكل عودتهم إلى الفصول الدراسية في نهاية المطاف رسالة قوية من الأمل”.
نعم، أنه الأمل، رسالة الأمل القوية، ورسالة التفاؤل المحكومين بها كما قال الراحل المسرحي السوري سعد الله ونوس.

إلى الأعلى