الخميس 22 أغسطس 2019 م - ٢٠ ذي الحجة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / أطفال من أطفالنا.. بين حدي الحياة والموت

أطفال من أطفالنا.. بين حدي الحياة والموت

علي عقلة عرسان

في خضم هذا البؤس الذي نعيشه، لم تضمُر أحلامُنا فقط، بل كادت تتلاشى قدرتنا على الحلم، وتضاءلت مساحة الأمل لدينا إلى الحد الذي لم نعد نتطلع فيه إلى توفير الطعام لأطفالنا، وتأمين الأدوية لهم، والأماكن والمعلمين لتعليمهم.. بل إلى وقايتهم من الموت تَجُمُّدا تحت الثلج وفي الصقيع، وإمكانية إخراجهم من مستنقعات الوحل في الزمهرير، وجعلهم يستلقون على أرض جافة؟! وعاصفة بعد عاصفة، في هذا الشتاء وكل شتاء سبقه منذ سنوات الحرب/الكارثة، تتجدد المأساة، ويترسخ العجز، وتقسو الظروف، وتطول المحنة، وتتلاشى الآمال بخلاص، أي خلاص من أي نوع، لهؤلاء البشر المعدودين مستقبلا أو بعض شرائح المستقبل لشعبنا وبلدنا وأمتنا.
في مخيمات النازحين واللاجئين السوريين، المنتشرة في الوطن وفي دول الجوار “لبنان، والأردن، وتركيا”.. ما لا يُستطاع وصفه أو احتماله، أو حتى تفسيره من وجهة نظر إنسانية سليمة.. خيمٌ بمن فيها وكل ما فيها، تغرق في الثلج والطين والماء.. لا حديث هنا عن تدفئة وطعام وفراش ونوم.. ولا حديث حتى عن جلوس طوال ساعات الليل والنهار في العاصفة..؟! من تراه يقول إن هذا وضع يمكن قبوله أو احتماله أو السكوت عليه، مع تجدده وتفاقمه عاما بعد عام، طوال سنوات النزوح واللجوء المُرة؟!
وفي مخيمات وقرى وبلدات ومدن وأماكن أخرى، من بلدان عربية منها اليمن والعراق وليبيا، الكارثة ذاتها والنتائج ذاتها، “معاناة مرة في القَرِّ والحَرّ، وتهدد في الصميم للكبار والصغار، وأجيال تتعرض لأسوأ الأحوال، بل للأهوال، واعتلال وجهل وتخلف ينتظر الناجين من الموت”.. وهؤلاء هم الذين القادة والإرادة، والشعب الذي يبني وينهض ويحمي ويحرر، وهم الذين ستتوقف عليهم إقامة قوام الوطن والأمة بين الأوطان والأمم.. وهم، بكلام موجز مفيد سديد، وباختصار شديد، “المستقبل”.. فكيف سيكونون وكيف سيكون المستقبل، وهم ينشّؤون في الذلة والعلة والاعتلال، ويُطمرون بالجهل ومفرزاته والإهمال وتبعاته، ويُتركون لسنوات وسنوات بلا مَدَدٍ ولا سَندٍ ولا سؤال عن أوضاعهم وأحوالهم ومعاناتهم التي تستمر وتسوء، وتستفحل أدواؤها وعقابيلها مع مرور الوقت؟!.. وأي مستقبل عليل يَنتظرنا، “الوطن والشعب والأمة”، على أيدي مَن نُسلمُهم لهذا المصير، ونتركهم في هذا الواقع المأساوي، ونهملهم هذا الإهمال الكَراهي، ولا نتيح لهم نافذة فَرَج، ولا أدنى مقوّمات العيش الصحي، ولا التعلم والحرية والكرامة، ولا نعزز فيهم الانتماء والثقة والصحوة والوعي، في عصرٍ تتجاوز فيه شعوب وأمم وأوطان عَتبات بعد عتبات في النهضة والعلم والتقانة وحماية المُواطن ورفع مكانته، والاهتمام بمعاني المُواطَنة وحقوقها وواجباتها ومفاهيمها وقيمها، تشريعا وقوننة، تربية وتعليما، سياسة وكياسة، قولا وعملا.
هل هؤلاء الأطفال، الفتيان والفتيات، الذين يُنشَّؤون في الكرب والمِحنة، ويتآكلون في التَّهلكة، ويطفون أمامنا كغثاء السيل الصارخ، يستحث العقل والضمير والشهامة والنخوة.. هل هؤلاء مسؤولون عن أوضاع وأفعال لا يد لهم فيها بل هم ضحاياها، وهم القُصَّر، وبعضهم وِلد في خيمة النزوح أو اللجوء، وفي ليل الحرب/الكارثة التي فُرِضَت على الشعب والوطن والأمة..؟ هل هم مسؤولون حتى يستحقوا عقابا، ويهملوا إهمالا، ويُسأَلوا عما جرى وكان وصار ويصير، ويمشوا في حقول الشَّوك عمرهم؟! لا أظن ذلك، ولا أظن أنه يدخل في باب العدل إن هو أُخِذَ به لتحقيق عدل، ولا يؤدي إلى نتائج أبعد من القهر والتأسيس للثأر.. ولا أسأل هنا عن تطبيق قوله تعالى “ولا تزر وازرة وزرَ أخرى”، ذاك الذي يرتفع عدلا في الآفاق، وتقول به الشرائع، وتصوغه القوانين، وتطبقه المحاكم في كل البدان أو في معظمها.. ولا أجيز لنفسي أن أسأل أكثر، أو أن أذهب أبعد من ذلك في الظن والتخمين والإشارة، لأن الاتجاهات وضوح لمن ينشُدُ الوضوح، ولأنني أدرك أن كل ما تحت الضوء يمكن أن تراه العين البصيرة، وأن كل ما ينفثه قلب مظلوم يمكن أن يصل إلى الوجدان الحي والعقل النَّيِّر.. وليس من شأني أن أنشغل بتحديد أسباب انعدام رؤية الرَّائي إلى شيءٍ أو أمر أو وضع، أو أسباب انعدام التواصل مع الوجدان وتحريكه وتحركه، ولا في تحديد المسؤولية أو العيب الذي قد يكون في الرؤية أو في تأويلها، أو في الغشاوة التي قد تطغى على البصر والبصرة، أو في ما قد يكون من أحكام ومواقف مسبقة، للناهي والآمر، للرائي والشاهد والقاضي والناظر.. فقد ذهبت إلى ما ذهبت إليه، لأنني أشعر، أنه مع استمرار هذا الوضع الكارثي، وعدم الاكتراث به، واستفحال الظلم الناتج عنه وما سينتج بسببه، مع استمرار ازدهاء قلوب بأقفالها.. أشعر بأن المأساة ستبقى وتكبر وتمتد وتنعكس على الوطن والأمة.
إن تخفيف المعاناة عن أولئك، أينما كانوا وكيفما كانوا، أمرٌ أكثر من مُلح، وهو واجب أخوي، ووطني، وقومي، وإنساني.. ولا أقول برفع المعاناة عنهم كليا والآن، بل بالعمل الجاد على ذلك، واتباع كل السبل الممكنة التي تفضي إلى هذه النتيجة.. أما رفع المعاناة عن كل من يعاني من أبناء الشعب العربي، في تلك البلدان والمواقع التي أشرنا إليها، فذاك شأن مطلوب لكنه لا يحتل أولوية، مثل معاناة النازحين واللاجئين والجياع والمرضى، فتلك تستحق أولوية فورية.. ولا تلغي، بأي حال من الأحوال، العمل على معالجة كل الأمور والقضايا التي تسبب المعاناة، وعلى رأس ذلك وقف الحرب الكارثة، والالتفات لمعالجة الواقع العربي المتردي “سياسيا واقتصاديا واجتماعيا”، في أكثر البلدان العربية.
إن الناس في معاناة شديدة، وهناك معاناة عامة تشمل الشعب وتتصل بواقع وسياسات وخيارات وقضايا رئيسة ومصيرية، ومعاناة في حدود أضيق تنحصر في قضايا وتخص فئات وشرائح من الناس، وعلى هذا فالمعاناة أنواع ودرجات وأشكال مختلفة، وهي تشمل الكثرة الكاثرة من الناس، لا سيما في البلدان والمواقع المعنية التي أشرنا إليها.. وهناك ضرورات وإمكانيات وواقع ووقائع حاكمة على الأرض.. وهذا يستدعي وضع جدول أولويات.. ولا يمكن معالجة كل القضايا، ووضع حد فوري لكل أنواع المعاناة، لأن هناك صعوبات وعقبات ومعطيات واقعية يصعب القفز فوقها، إذا توخينا الموضوعية والمسؤولية.. ولأن المعاناة درجات، ومنها ما يتصل بحدي الموت والحياة، شأن أولئك الأطفال السوريين الذين يتجمدون في الوحل تحت الثلج والصقيع، في مخيمات النزوح واللجوء المنتشرة بكثرة، وجب أن يكون الاهتمام بإبقائهم على قيد الحياة، هو أولى الأولويات لكل من يعنيهم أمر الإنسان في الحياة.
من المؤكد أننا لا نطلب المستحيل، وحتى لا نطالب بالكثير الكثير.. فإخلاء النازحين واللاجئين من المخيمات التي لا تعيش فيها لا الضباع ولا الذئاب ولا الأفاعي، من شدة البرد وسوء الأحوال فيها، وتغضب فيها الطبيعة عواصف ثلج وزمهرير، مثل مخيم “عِرْسال”، أو إخلاء أولئك الذين قيدوا بقيود القهر والخوف والفقر والقفر، في موقع موت، حيث تكفهرُّ فيها الطبيعة وتغضب عواصف “غُبار ورِمال”، وتصبح الحياة فيها جحيما، مثل مخيم “الرُّكبان” ونظيره في السوء “أطْمة”، وغير هذه المواقع، عن يسارها ويمينها في الصَّقْع والسَّفع.. إن إخلاء هؤلاء لا يكلف مليارات الدولارات، ولا يحتاج إلى جيوش وحروب طاحنة، ولا إلى إبداع في السياسات والمفاوضات والممارسات، من أجل تنفيذه، وحسم عودة أطفال مع أُسَرهم، إلى قراهم وبيوتهم شبه المُدمرة، حيث يعيدون بناءها حجرا فوق حجر، وهم يتفيَّؤون ظلالها، بأمن مِن جوع وخوف..؟! ومِن المُؤكد أن هذا الوضع في مُخيمات النزوح واللجوء، وكذلك وضع الأطفال في اليمن وليبيا والعراق، و.. و.. لا يحتاج أيضا إلى مُعجزات سماوية، ولا إلى وقت طويل ويطول، لتصفى قلوب، وتنضج مواقف، وتهدأ خواطر، وينجلي الضباب عن استراتيجيات دولية، وإقليمية، ووطنية، وينعم الله سبحانه وتعالى على الأمة العربية بنِعْمة الاتعاظ من كل ما مرَّ بها من مِحَنٍ وفِتَن وحروب، وما نُهِب من ثرواتها وخيراتها، ومن استخدام أعدائها لجغرافية الوطن العربي قواعد للمستعمرين، تشل قدرة الأمة على تحرير الأرض والإرادة والقرار، وتجعل أعداءها والطامعين بها، والمعادين لهويتها وعقيدتها ووجودها ذاته.. تجعلهم يتحكمون بها وبثرواتها ومصيرها.. وأن يقدِّرَ لها، سبحانه، هداية وصحوا ووعيا، فترى العدوَّ عدوا، والشقيق والأخ حليفا، ويهيئُ لها إدراكا تاما ثابتا، بأن في وَحدة رؤيتها وموقفها حماية لها وصونا لهويتها ومصيرها، وقوة لها، ومَخرجا للأمة كلها من الأزمات والضائقات والتبعيات، وطريقا صحيحا وحيدا للنهضة المنعَة والكرامة، وأن في ذلك وحده خيرا حقيقيا للإسلام، وللعرب والمسلمين كافة.. وانحسارٌ لابتلاع الوهم والخداع والكذب الذي ينشره العنصريون والمتصهينون في شرايين العباد والبلاد، من أمثال ادعاء وزير الخارجية الأميركي، بومبيو، في جامعة القاهرة قبل أيام، ادعاءه الفظ “أن بلاده هي قوة خير في العالم؟!”، وهي في حقيقة الأمر غير ذلك، وسبب الدمار والقتل والفوضى في وطننا العربي على الخصوص، وأنها الدولة التي تستثمر في الإرهاب والحرب، وتدعم الاحتلال العنصري الصهيوني، المناقض في وجوده وممارساته، لكل خلق وقانون.. فتضع “استراتيجية عربية منقذة؟!”، تستخدم فيها بعض المال، وأقول بعض المال، الذي تضعه في خدمة أعدائها.. أو تستثمر مالا عربيا في الإنسان العربي، أو في الوطن العربي، بدلا من أن تستثمر المال العربي في مدِّ خطوط بحرية لمصلحة كيان الإرهاب الصهيوني “إسرائيل”، عبر البحر الأبيض المتوسط، لنقل غاز فلسطين المحتلة الذي سطا عليه المحتلون الصهاينة إلى أوروبا.. أو لتقيم شراكات وتحالفات، لترويج مصالح واستراتيجيات الصهاينة والأميركيين والغربيين، وخوض حروبهم بالوكالة؟!
إن إخلاء هؤلاء البشر المنكوبين، في مخيمات النزوح واللجوء، وفي قرى اليمن وفي العراق وليبيا وفي.. وفي.. من المواقع العربية المنكوبة، بكل معاني كلمة النكبة.. يحتاج إلى فُتات الفتات من المال، إلى ما يقارب ثمن لوحة فنية، ويخت سياحي، وإلى معشار المعشار من مئة ما يسرقه أحد الفاسدين ممن تتكلم عنهم أوساط سياسية وإعلامية عربية كثيرة.. ولكنه يحتاج بالضرورة، قبل ذلك وبعده، إلى إحساس بالمسؤولية الأخلاقية والإنسانية عن هذا الوضع وعن الأطفال الذين يعانون هذه المعاناة، أينما وجدوا، ممن يتحملون مسؤولية ما عن وضعهم، ويساهمون في استمرار مأساتهم، ولا يبادرون إلى التحرك العاجل، والقيام بمبادرات خلاقة، لوضع حد لهذه المأساة الإنسانية.
إننا نطالب أنفسنا بذلك قبل أن نطالب الآخرين به، وعلينا أن نفعل ذلك بكل الجد والمسؤولية، قبل كل شيء، قبل سوانا.. من دون تأخير، فنحن أمام أطفالٍ من أطفالنا، أطفال من البشر إن شئتم غير ذلك، تجمعنا بهم وحدة الشرط الإنساني والمصير الإنساني، وهم يقعون بين حدي الحياة والموت.

إلى الأعلى