الجمعة 23 أغسطس 2019 م - ٢١ ذي الحجة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / يا لهذا العراق الضحية

يا لهذا العراق الضحية

أ.د. محمد الدعمي

سبق أن لاحظت انزلاق بؤرة الاهتمام الأميركي عبر الشرق الأوسط إلى العراق، ثانية، (الانسحاب الأميركي: الهبة الخلفية، في 4/1/2019)، إلا أني خشيت أن يكون في الأمر شيء من المبالغة ومن التنبؤ غير المبتنى على أسس صلدة المدروس ولا المؤسس على حقائق ثابتة. بيد أن الملاحظة أعلاه راحت تتجاوز النبوءة غير الدقيقة لتتبلور مصداقيتها، بدليل ما يشاع عن طلب القوات المسلحة الأميركية من الحكومة العراقية إفراغ عدد من المعسكرات والقصور الرئاسية السابقة، بل وقد أنذرت عددا كبيرا من الميليشيات التي تشكلت جزافا بعد الغزو الأميركي سنة 2003 كي تحل نفسها، بل وأن يخرج عناصرها من العراق، كما تتداول الأنباء عبر قنوات التواصل الاجتماعي.
وإذا كانت هذه الأنباء من نتائج زيارة الرئيس دونالد ترامب، وزيارة بومبيو، وزير خارجيته بعدئذ، فإن توقعي بانزلاق البؤرة نحو العراق له ما يكفيه من المبررات، وما يؤكده من المؤثرات، وأهمها: (1) طريقة تفكير الرئيس ترامب التي تمتاز بمادية التمركز، على النفط خصوصا، أكان ذلك النفط على سطح الأرض (أي في الخزانات)، أم كان في باطن الأرض. وللمرء أن يتوقع ذهاب الأميركان إلى حيث تفوح رائحة النفط، زد على ذلك إشكالية التحدي الإيراني الذي تستجمع العديد من الدول المجاورة قواها لمجابهته، ناهيك عن خشية إسرائيل من تصاعد النفوذ الإيراني على نحو واضح في العراق، الأمر الذي قد يحيل هذا البلد الجميل ذا النهرين العظيمين إلى ميدان حرب، تكون ضحيته الأولى والأساس الشعب العراقي ومستقبله، كما حدث بالضبط على عهد الصراع العثماني (تركيا) الصفوي (إيران) الذي اتخذ من العراق ساحة للارتطام العسكري، بعيداً عن أراضي الامبراطوريتين الصفوية والعثمانية: فهل يكرر التاريخ نفسه ثانية، على رؤوس العراقيين، الممتلئة آلاما أصلا، من ناره وحديده؟ أما إذا ما حدث الأسوأ فعلا، فللمرء أن يتكهن بأن أي ارتطام عسكري بإيران، لا بد أن يستدرج الولايات المتحدة ودول إقليمية إلى جانب واشنطن، الأمر الذي قد يشعل حربا لا تبقي ولا تذر!
وإذا ما كان الرئيس ترامب حذرا للغاية في الزج بقواته في حروب عبر البحار من هذا النوع الشامل والمأساوي، فإن على المرء أن يتذكر بأن هناك من دول المنطقة التي ستحاول سحب أرجل واشنطن إلى حرب مدمرة من هذا النوع؛ وثانية سيكون العراق هو ساحتها البرية، بينما يكون الخليج العربي، الغني بالنفط، هو ميدانها البحري.
إن ما يثير القلق بحق الآن، هو أن الميليشيات المنتشرة في العراق تبدو وكأنها لا تريد الانصياع لطلب واشنطن بحل نفسها، معتمدة موقفا متحديا يمكن أن يقود إلى فقدان العصب المتوقع من رئيس انفعالي من نوع دونالد ترامب، بمعنى رئيس يصعب إقناعه بعكس ما يريد!

إلى الأعلى