الأحد 21 أبريل 2019 م - ١٥ شعبان ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / الأزمات المالية العالمية .. كيف نستفيد منها؟

الأزمات المالية العالمية .. كيف نستفيد منها؟

سعود بن علي الحارثي

أدت الأزمة المالية العالمية التي بدأت ولادتها في الولايات المتحدة الأميركية قبل أن تمتد آثارها الخطيرة وتتوسع إلى معظم دول العالم خلال العامين 2007- 2008م، إلى فقدان ملايين الأشخاص لوظائفهم التي يعتمدون عليها في تسديد الرهون العقارية وتسديد أقساط تعليم أبنائهم والوفاء بمتطلبات المعيشة وتكلفة الحياة بشكل عام، وفي الولايات المتحدة الأميركية وحدها شكل الركود الاقتصادي أسوأ أزمة توظيف منذ الكساد الكبير في عام 1929م، حيث وصل العدد إلى أكثر من 25 مليون عاطل عن العمل أو عاطل جزئيا. العديد من البرامج الوثائقية التي أنتجت خلال الأعوام القليلة الماضية؛ أي في مرحلة ما بعد الأزمة ولا تزال حتى اليوم، وتعرضها العديد من القنوات التلفزيونية الأميركية وقنوات أخرى على مستوى العالم، تلقي الضوء على هذا الملف الحساس من خلال سلسلة من المقابلات مع عدد من الأشخاص الذين تم فصلهم من وظائفهم وفيهم أطباء ومعلمين وخبراء قانونيين وماليين وإعلاميين وأكاديميين … والحديث عن حجم المعاناة التي مروا بها، في أحد هذه البرامج التي تابعتها بشغف قدم كل واحد من هؤلاء المتضررين صورة معبرة ومتكاملة تعكس: تجربة وقوفهم أمام مديريهم أو مديري التنمية البشرية في الشركات التي كانوا يعملون فيها لإبلاغهم خبر الاستغناء عنهم، تصوير مرحلة الانتقال من السعادة إلى المعاناة، حجم القلق ومستوى الإحباط والوضع النفسي الذي عاشه من فصلوا من وظائفهم بسبب الركود الاقتصادي وتأثيراته البالغة على أفراد أسرهم بشكل عام، فارتفعت الاتصالات بخدمة منع الانتحار المحلي إلى أكثر من ثلاثة أضعاف في 2007م، كما أظهرت التقارير الطبية أن معظم من جرى تشخيصهم بسبب الآلام الشديدة في الظهر والرقبة كانت بسبب المعاناة من اليأس والقلق والإحباط … لقد أبانت الأزمة المالية عن هشاشة النظام الاقتصادي وفساده المستشري في أوصال مؤسساته المصرفية والتأمينية بالأخص، وتأثيراتها المباشرة على المواطن، فاستقطبت المقاهي والمطاعم المئات من الباحثين عن عمل للتحاور فيما بينهم وتبادل الأفكار والرؤى الباحثة عن معالجات تخفف من الوضع المتأزم وعرض معاناتهم والاستماع إلى آخر الأخبار الاقتصادية ومستجدات الأزمة المالية والتشبث بالأمل والتخفيف عن بعضهم البعض بصناعة النكتة والدعابة وتتبع الوظائف المعلن عنها في مواقع الإنترنت والجرائد. مدرب في إحدى الشركات بعد فصله تقدم بطلب للحصول على وظيفة سائق شاحنة لنقل الطرود البريدية، ولكن لم يتم قبوله بدواعي أن خبرته وتعليمه أعلى من الوظيفة التي تقدم لها، وقد علق قائلا: عليهم أن (يفهموا بأنه علينا أن نأكل ولدينا أولاد لهم متطلبات أساسية وفوق ذلك لم نكن طرفا متسببا في الأزمة المالية). البرامج الوثائقية للأزمات المالية مفيدة وتقدم الكثير من الدروس والتجارب والمواقف التي تصور الحقيقة وآلية التعاطي مع آثار الأزمة المالية التي لا توجد دولة في العالم أو نظام اقتصادي أو مجتمع بمنأى عنها، ولكن بالإمكان التخفيف من آثارها الخطيرة على المواطن، ويمكن تهيئة المجتمع للتعامل مع مفرداتها وتعزيز قدراته وتأهيل وتدريب أفراده للتعاطي معها.
كتبت في مقال سابق عن دور الإعلام وأهميته باعتباره في عالم اليوم السلطة (الرابعة) التي يعول عليها في مراقبة وتقييم أداء المؤسسات المختلفة من خلال إعداد ونشر التقارير الاعلامية المتخصصة والتحقيقات الصحفية الرصينة واللقاءات المتواصلة مع المواطنين والمسؤولين والخبراء وذوي الاختصاص، ومناقشة القضايا والملفات الوطنية، ومتابعة ونقل وتحليل القرارات المتخذة وتقديم القراءات والمؤشرات المستخلصة وتوضيح السياسات والإجراءات المتبعة وكيفية التعامل مع الأزمات الاقتصادية والمالية، وتوعية المجتمعات، والإجابة عن التساؤلات المطروحة من قبل المواطنين وذلك بما يعزز قيم الشفافية، فالدور المؤثر لوسائل الإعلام ليس في (تعميم المعرفة والتوعية والتنوير فحسب، بل في تشكيل الرأي، وتوجيه الرأي العام، والإفصاح عن المعلومات، وخلق القضايا، وتمثيل الحكومة لدى الشعب، وتمثيل الشعب لدى الحكومة…)، وعلى ضوء أزمة تراجعات أسعار النفط وتأثيراتها الحادة على الوضع الاقتصادي يصبح من الضرورة بمكان أن تعتمد دول الخليج على خبراء اقتصاديين لدراسة مثل هذه الأزمات واستخلاص دروسها والتعرف على طريقة تعامل أنظمة وحكومات العالم معها، والاستفادة من تجاربها والخيارات المتاحة لأي حالات قادمة شبيهة، وهو ما دفعني لاستخلاص وعرض أهم النتائج والدروس التي استفدت منها بعد مشاهدتي للبرنامج الوثائقي مجملة باختصار في النقاط الآتية :
• أدت عملية الفصل التي شملت الملايين إلى تآكل الطبقة المتوسطة إذ انخفضت دخولها إلى أكثر من 7%، وفقد المواطن الأميركي ثقته في نظام بلده الاقتصادي وانهار الحلم الأميركي الذي كان ينير طريق كل مواطن فيه. نتائج خطيرة ينبغي التفكير فيها برؤية وعمق ووقاية الاقتصاد الخليجي من الوقوع في هكذا أزمات.
• العاطلون عن العمل حصلوا على إعانات تبلغ 430 دولارا في الأسبوع وفقا لآليات وضوابط محددة. ما يعني أن الحكومة قامت بدورها في التخفيف من معاناة العاطلين.
• لعبت المصارف دورا أساسيا في قيام الأفراد ببناء وشراء مساكن خاصة، وتسببت البطاقات الائتمانية في الإفراط في الاستهلاك، وهو ما ضاعف من معاناة العاطلين الذين أفقدتهم القروض ممتلكاتهم ومساكنهم الخاصة، ورمتهم إلى الشوارع دون مأوى. وهنا يتطلب الأمر توعية المواطن بأن يقي نفسه وأسرته شراك الديون في عالم متغير يفتقد إلى الضمانات .
• باع البعض مجوهراتهم وممتلكاتهم ومقتنياتهم الشخصية لتأمين الغذاء لأبنائهم. فكلما ارتفعت مدخرات وممتلكات الأسرة تمكنت من التعامل مع الأزمات المالية والقدرة على تدبير المتطلبات المعيشية عند الاستغناء عن المعيلين وظيفيا .
• بلغ عدد الأشخاص الذين استخدموا البطاقات التموينية أكثر من 45 مليون شخص، وانتشرت مظاهر الفقر بشكل واسع وسريع في الضواحي، وفي ذات الوقت كان الحوار متواصلا في الكونجرس والدوائر السياسية لبحث ملف العاطلين عن عمل، والمراكز والدراسات المتخصصة ترصد المتغيرات والآثار المرتبطة بهذا الموضوع، وتقدم الرؤى والتوصيات التي تساعد الحكومة للعمل على مساعدتهم والتخفيف من معاناتهم. بمعنى أن الحراك كان متواصلا ومستمرا على جميع المستويات ومن جميع الأطراف لمعالجة الأزمة .
نستفيد من هذه البرامج الإعلامية من حيث إنها توثق لهذه الأزمات بأسلوب ذكي وطريقة احترافية، ولما تحتويه من تجارب ودروس قيمة يمكن الاستفادة منها في التنبؤ بالأزمات المالية وتوعية المجتمعات بأن الاقتصادات معرضة للاهتزازات والأزمات مهما كانت متانتها وقوتها، والتعرف على الأسباب والتحديات للوقاية منها واستخلاص الأفكار والمقترحات العلاجية .

Saud2002h@hotmail.com

إلى الأعلى