الأربعاء 20 فبراير 2019 م - ١٥ جمادى الأخرة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / مؤتمر وارسو

مؤتمر وارسو

د. فايز رشيد

إعلان وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو عن تنظيم اجتماع وزاري دولي بتنظيم مشترك مع بولندا, يُعقد في “وارسو” في 13 و14 فبراير/شباط المقبل, والذي سيتمحور حول الاستقرار في الشرق الأوسط, ومسائل السلام والحرية والأمن في هذه المنطقة, وأيضا مسألة التأكد من أن إيران ليس لها أي تأثير مزعزع للاستقرار, الإعلان هو ديماغوجي بامتياز! فهمّ الوزير الأميركي أولا وأخيرا أمن واستقرار ربيبته دولة الكيان الإسرائيلي, وتغلغلها في العالم العربي, وتحويل الصراع في المنطقة من جوهره الأساسي كصراع عربي ـ إسرائيلي إلى صراع مفتعل هو صراع عربي ـ إيراني, ذلك أن إيران وبرغم العقوبات الأميركية, والتي سيجري استكمالها في مؤتمر وارسو لتكون أشد قسوة! إيران لم تتنازل عن مواقفها الصلبة تجاه وجود العدو الصهيوني, ولم ترضخ للابتزاز الأميركي, سواء في مواقفها السورية, أو من كل القضايا الوطنية العربية.
بومبيو ورغم تمويهه على أهداف المؤتمر المنوي عقده بعد شهر, من خلال الحديث عن الأمن والاستقرار في المنطقة, لكنه يصر على ربط أجندة الاجتماع بين الاستقرار في الشرق الأوسط ودور إيران, ولعل هذا ما استشعرته إيران منذ اللحظة الأولى بعد الإعلان, فاعتبرت الاجتماع بمثابة خطوة عدائية تجاهها. يعد هذا الاجتماع أكبر حدث تستضيفه بولندا منذ قمة حلف شمال الأطلسي عام 2016 في العاصمة البولندية, ويبدو أنه جرى بناء على خطوة منسّقة بين الولايات المتحدة وبولندا, وهو يعكس في جانب منه تزايد اهتمام بولندا بقضايا المنطقة, على ضوء تطور علاقاتها بالشرق الأوسط, خلال المرحلة الأخيرة, فضلًا عن علاقاتها المتميزة كتابع للولايات المتحدة في إطار مخاوفها من جارتها روسيا. وقد أعلنت كل من وزارة الخارجية الأميركية, ونظيرتها البولندية عن أجندة الاجتماع, وشملت سلسلة من القضايا تتمحور حول: الإرهاب والتطرف, وتطوير الصواريخ, وانتشار الأسلحة, والتجارة البحرية, والأمن, وتهديدات الجماعات التي تخوض حروبا بالوكالة في الشرق الأوسط! وهنا يبدو االبعد الأمني غالبا على طبيعة الاجتماع وهدفه الرئيسي إلى جانب القضايا التي سيتطرق إليها.
لقد جرت دعوة أكثر من 70 دولة للمشاركة في الاجتماع, بما في ذلك بعض الدول العربية, وجميع أعضاء الاتحاد الأوروبي, كما جرى توجيه الدعوة إلى دولة الكيان الإسرائيلي لحضور الاجتماع. ويحمل ذلك في طياته, دلالات مهمة لأفكار أميركية لدمج دولة الكيان في منظومة أمنية تعاونية في المنطقة، باعتباره ذلك سيشكل احتواءً لما يسمى بـ”الخطر” الإيراني, باعتباره أولوية لكافة هذه الأطراف. بالتالي, فورا وبعد إعلان بومبيو عن عقد المؤتمر, تزايد الهجوم المنسّق على إيران, كما تعاظمت الاتهامات الدولية لها, وفي مقدمتها اتهامات أميركية وأوروبية وإقليمية بدعم الإرهاب, ونشر الفوضى في المنطقة, وتطوير برنامج صواريخ باليستية, فضلا عن دعم الميليشيات والجماعات المسلحة في الشرق الأوسط, بالتالي فإن إيران هي الهدف الرئيسي لهذا الاجتماع! وسيكون ضمن مناقشاته الحد من “مخاطرها” في الشرق الأوسط! كما عبّر عن ذلك بومبيو ذاته, فهو يعتبر أن إيران سببا رئيسيا لعدم الاستقرار في المنطقة, في نفس السياق جاء تصريح نظيره البولندي جاسيك تشابوتوفيتشك, الذي صرّح قائلا: “إن الاتفاق النووي لم يمنع إيران من الأنشطة التي تزعزع استقرار المنطقة”.
لا شك, أن اجتماع وارسو سيكون ضمن حملة الضغوط القصوى المتواصلة التي تقودها إدارة ترامب ضد إيران بعد الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي, وهي الحملة التي ترغب الولايات المتحدة في انضمام الدول الأوروبية لها, فقد أعرب وزير الخارجية البولندي عن أمله في أن يسهم الاجتماع في تقريب مواقف الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة تجاه إيران، ولا شك أن تستفيد الولايات المتحدة من وجود بعض الدول الأوربية التابعة لها كبولندا, التي تعتبر كما ترامب أن الاتفاق النووي لا يمنع إيران من الأنشطة التي تزعزع استقرار المنطقة, فضلا عن بعض الدول الأخرى كألبانيا. أما ظروف الإعلان فقد جاء بالتزامن مع الجولة التي قام بها وزير الخارجية الأميركي لعدد من دول المنطقة, وذلك في إطار المساعي الأميركية لتهيئة دولها لواقع أمني جديد, تتكفل فيه برعاية مظلّة حماية إقليمية تحت مسمى “الناتو العربي”, الذي سيكون مسؤولا عما يسمى بـ”تحقيق الاستقرار وحفظ الأمن فيها”. لا شك أن روسيا لن تقف مكتوفة الأيدي أمام هذه التخطيط الأميركي ـ الصهيوني الجديد, الذي يريد تهيئة أوضاع المنطقة لهيمنة صهيونية ـ أميركية عليها, لكن ما يخططونه ليس قدرا, ولن يكون.

إلى الأعلى