الإثنين 22 أبريل 2019 م - ١٦ شعبان ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق : نحو سياسات وطنية لحماية منظومة العمل التطوعي

في العمق : نحو سياسات وطنية لحماية منظومة العمل التطوعي

د. رجب بن علي العويسي

يشكل العمل التطوعي قيمة مضافة في حياة المجتمعات، نظرا للتأثير الإيجابي الذي يحققه في بناء حقيقي لسلوك المواطنة المنتجة وتعزيز المسؤولية الاجتماعية، فهو بما يحمله من خصائص وسمات يسهم في إعادة إنتاج الواقع الاجتماعي بطريقة يستشعر فيها المواطن قيمة الآخر المختلف، وأن نجاحه في تحقيق أهدافه وبلوغ معايير التميز المرتبطة بهويته الوطنية، إنما يأتي عبر تحقيق غايات الآخرين والوقوف معهم ومساعدتهم والإيمان بقيمة المشتركات بينهم، فهو بذلك مرحلة صياغة الذات وتجديد الممارسة وتأصيل وازع الضمير، ليثبت خلاله المواطن جدارته في الوفاء بحق الوطن والتخلي عن الأنانية والفردانية لتحقيق فرص أكبر للإنتاجية، وتأكيد مبدأ الإيثار وتحقيق معايير الالتزام، وتأكيد قيمة العمل الجماعي المشترك، إنه نقل الفرد من البحث عن الذاتية إلى صناعة إنسان منتج فاعل مناضل من أجل الآخرين وفي سبيل تحقيق سعادتهم، وبالتالي تصبح ثقافة العمل التطوعي أدق تعبير يمكن أن يحقق مفهوم المواطنة؛ إذ يتخلى فيه الفرد عن فوقيته ليتماهى مع كيان المجتمع قلبه وعقله، فيقدم مصلحة الآخرين على نفسه، وينزهها عن كل أشكال الأنانية والأثرة، وينزل من أبراج السلطة والفوقية ليشارك المجتمع أهدافه وغاياته.
من هنا كان البحث عن أولوية تعزيز هذه الثقافة، وتوفير كل المعطيات التي تدعم نموها وانتشارها وتطورها في المجتمع، وتحويل مسارها من الوقتية أو الآنية والظرفية إلى كونها خيارا استراتيجيا يمارسه المواطن برغبة واختيار وقناعة بقيمته على المسار الشخصي والاجتماعي وفق معايير الاستدامة، وعندها يصبح العمل التطوعي مجالا رحبا واسعا في تعدد مداخله وتنوع أهدافه وتشعب مجالاته وتعدد منطلقاته، مما يستدعي البحث عن آليات تعمق تواجده في كل مقتضيات العمل الوطني ومكوناته ومنصاته، ويصبح العمل على تشجيعه وتعزيزه وتمكينه في فكر المواطن وقناعاته، وبناء هذه الثقافة والتجديد فيها وتوليدها بصورة متكررة وبشكل مبتكر، مسارات أكثر عمقا تتجه نحو تأطيره في مناهج التعليم وأساليب التعلم وأنماط التدريس وثقافة المؤسسات التعليمية وفكر الممارسين التعليميين والبرامج التوعوية والإعلامية التعليمية والتثقيفية والتدريبية وأنشطة المدارس والجامعات والمؤسسات التعليمية الأخرى، كما يصبح وضع موجهات عامة ومحددات دقيقة في عملية تدريسه، وطريقة تناوله ونقله إلى محاكاة الواقع، وترقية النماذج التي تحققه، أولوية وطنية تضاف إلى رصيد الإنجازات التي حققها العمل التطوعي في مسيرة التنمية الوطنية.
وعلى الرغم من أن معطيات الواقع الاجتماعي في الحالة العمانية أعطت صورة إيجابية مشرقة للعمل التطوعي بما تضيفه من لمسات جمالية في حياة المواطن تقوم على استشعار حس المسؤولية والثقة في الإنجاز والأريحية في التعامل ودخوله في خط المسؤولية الاجتماعية، إلا أنها تؤكد حاجتها إلى البحث عن آليات أكثر عمقا تستهدف تمكين ثقافة العمل التطوعي في واقع حياة المواطن، بحيث تتجه إليها أجندة العمل الوطني، كونها مسؤولية مجتمعية مشتركة لا تقف عند حد معين أو تتوقف في مسار محدد أو أنها مجرد عبء إضافي على مؤسسات دون غيرها، بل سلوك مشترك ومنهج عمل متقن، يقوم عليه المخلصون من أبناء هذا الوطن. ومعنى ذلك أنه على الرغم من التحول في ثقافة العمل المؤسسي ودور المؤسسات في القيام بمسؤولياتها، إلا أن ثقافة العمل التطوعي ظلت حاضرة في كل المعطيات وعند كل محطات الإنجاز وفي كل الظروف والأحوال، إذ الحاجة إليها مستمرة وتواجدها سوف يضمن قوة في الإنجاز وتشاركية في تحقيق الهدف، وفرصة لخلق التناغم بين المؤسسات والمواطن والمجتمع، ومنطلق لبناء المواطن المسؤول القادر على صناعة لحن التجديد، وضمان تحقيق معايير التفوق في المنجز الوطني، على أن ما يميز مسألة العمل التطوعي أنه مع كونها اختبار للنفس وصقل للذات وإدارة للسلوك وتحقيق للوعي وإبراز لمفهوم الريادة في الإنجاز واستحقاقات وطنية يقرأها المواطن في ثوب الإخلاص للوطن، فإنها نابعة من قيم الدين الحنيف وتعبير عن الوصول بالمجتمعات إلى مستوى التحضر وامتلاك معايير الذوق والمشاعر الإيجابية التي تنتقل عبر العمل التطوعي إلى ممارسة رصينة وسلوك أصيل يستهدف مصلحة الوطن والمواطن.
وعليه، فإن تحقيق هذا الطموح وتعظيم النظرة التفاؤلية المبتغاة من العمل التطوعي تستدعي وجود سياسات وطنية تأخذ أبعادا تشريعية وتنفيذية، تحدد مفاهيم العمل التطوعي وتبرز مداخله وعملياته ومخرجاته وتنظم آليات عمله وتؤسس لفلسفة أدائه، وتضمن احتواء الكفاءات الوطنية الداخلة فيه وحمايتها وتقديم كل وسائل الدعم لها، فإن وجود إطار مؤسسي واضح، يأخذ في الاعتبار كل المتغيرات الحاصلة في تشكيل صورة العمل التطوعي سوف يقلل من حالة التصادم في وجهات النظر التي تقرأ مفهوم العمل التطوعي والتفسيرات التي باتت تضعه فيها، ناهيك عن أن متطلبات التطوع في حد ذاتها تحتاج إلى المزيد من الخبرة والتجربة وامتلاك المعرفة، بالإضافة إلى تحقق معايير الأمن والسلامة في حياة الأشخاص المتطوعين، وهو ما لا يتأتى إلا عبر مسارات عمل واضحة، تلتزم معايير التقنين والتخطيط والتنظيم وبناء القدرات والتعامل مع مختلف الظروف عبر إدارة واضحة وآليات عمل مبتكرة بما يضمن شحذ الهمم وإعطاء الدافع، إذ عندما يكون للعمل التطوعي وفق مسار واضح وآليات متابعة وتقييم ورصد وشعور جمعي بطبيعة الدور الذي تقوم به فرق العمل التطوعية، ومع التشعب الحاصل في العمل التطوعي وفرص التنوع والاتساع والتعقد وتعدد المنصات التي شكلت مدخلات مهمة لاستمرارية العمل التطوعي وحضوره في واجهة المجتمعات بقوة أكثر من أي وقت مضى، فإن طبيعة المواقف المعقدة التي تتعامل معها الفرق التطوعية ومستوى وعي المواطن بدورها ومسؤوليته نحوه والثقة التي تحملها المؤسسات نحو هذه الفرق التطوعية والمرجعيات التي تحدد خط سير عملها، مبررات بالحاجة إلى المزيد من التأطير والتقنين، في ظل بناء سياسات وطنية أكثر نضجا وفاعلية ومواكبة للتطورات الحاصلة في منظومة العمل التطوعي ودخول المسؤولية الاجتماعية كأحد المفاهيم التي باتت تتعامل معها المؤسسات والشركات.
ومع الإيمان بأن ثقافة العمل التطوعي ثقافة أصيلة في عمان، أكدتها قيم ديننا الإسلامي الحنيف وعززتها ثقافة المجتمع العماني وقيمه الأصيلة الداعمة للتعاون والسلام والتعايش والوحدة والتكافل الاجتماعي، وأفصحت عنها المفردات الثقافية والدينية والحياتية التي يتعامل معها الإنسان العماني ويمارسها في ظل اختيار ورغبة ومسؤولية كسلوك يومي، واستمرت حاضرة في مراحل تطور النهضة، وأكسبتها المواقف المختلفة التي عايشها الإنسان العماني، المزيد من التفرد والوضوح في نوع العمل التطوعي الذي يتناسب مع البيئة العمانية وتحتاجه في مختلف المجالات، فإن الواقع الاجتماعي في التعاطي الواعي مع بعوضة الزاعجة والأنواء المناخية والحالات المدارية التي مرت بها عمان أعطى نموذجا فريدا في قدرة المواطن العماني على الاستجابة الواعية والمباشرة لنداء الواجب الإنساني، ورسمت صورة مشرقة لمفهوم التطوع في المجتمع العماني، فإن ما تميزت به الشخصية العمانية من قيم التعاون والتكامل والتعايش وغيرها من المفردات المعبرة عن التطوع رصيد وطني ثري ينبغي استثماره بشكل أكثر وضوحا وواقعية في تعزيز ثقافة التطوع وترسيخ أطرها وبناء محددات عملها وتعزيز الدوافع الوطنية نحوها، كما أن ما شكلته جمعيات المرأة العمانية ومراكز الوفاء الاجتماعي ومجالس الأندية الرياضية والفرق التطوعية الشبابية بالأندية الرياضية أو الفرق الرياضية بالولايات وغيرها من مؤسسات المجتمع المدني التي ضربت أروع الأمثلة والنماذج الحية في استيعاب الإنسان العماني لمفهوم العمل التطوعي، وهي في حد ذاتها تجربة مثرية ينبغي أن تشكل مدخلا مهما لقراءة موقع العمل التطوعي في السلطنة والتحديات التي تواجه الأفراد المتطوعين والمؤسسات، والبدائل الممكنة في تخطي الإشكاليات والتحديات التي تواجهها في هذا الشأن.
وأخيرا فمع كل ما أشرنا إليه من طموحات وآمال في تحقيق ثورة أكبر في العمل التطوعي تتناسب مع معطيات المرحلة القادمة، يبقى تبني سياسات وتشريعات وطنية تحفظ ثقافة العمل التطوعي وتحمي حقوق القائمين عليها، من أي مخاطر وأضرار قد تلحق بهم، أو حماية الملكية الفكرية للعمل التطوعي المنجز، وبالتالي إقرار آليات عمل توفر الضمانات النفسية والقانونية والمهنية والخدمات والإمكانات المناسبة لانطلاقة العمل التطوعي ونزوله على أرض الواقع، فإن الإشكاليات والتحديات القانونية والمشقة النفسية والبدنية التي بات يفرزها هذا التدخل السريع من فرق العمل التطوعي في التعامل مع خطط الطوارئ الوطنية في معالجة بعض الأمراض أو تحقيق بعض الأهداف من المسوحات والبيانات وحالات الرصد الاجتماعي والاقتصادي والاستهلاكي وغيرها يتطلب مراجعة السياسات النافذة في هذا الجانب وإعادة النظر في مواد القوانين ذات العلاقة، وتبني مداخل لمشروعات قوانين تقترح إضافة بعض المواد أو تصحيح ومراجعة بعضها الآخر، إن من شأن وجود هذه السياسات وتقوية حضورها في الواقع وحشد الاهتمام المجتمعي بمتطلبات الفرق التطوعية والجهود التي تبذلها في الوصول إلى غاياتها بدون مقابل، توفير الضمانات المناسبة لاستمرارية هذه الثقافة في النمو ونهوضها في فقه المواطن وسلوكه واقترابها منها وحب الاندماج فيها، وممارستها بطريقة مبتكرة، وضمان امتلاك هذه الفرق التطوعية الصلاحيات المناسبة لتأدية مهامها، وصفة الضبطية القانونية الداعمة لهذا العمل، بالإضافة إلى توقع التعامل الإيجابي مع هذه الفرق من قبل المواطنين والمقيمين، وتقدير أهمية ما تقوم به فرق العمل بما يضمن الاستجابة الفورية لمتطلباتها والاهتمام بالتعليمات التي تصدر منها، فهل ستتجه الأنظار في قادم الوقت إلى الوقوف على مسوغات تحقيق هذا الطموح وبناء منصات تفاعلية لاستصدار أحكام تشريعية وسياسات تنظيمية وضبطية تصنعها المجالس التشريعية؟

Rajab.2020@hotmail.com

إلى الأعلى