الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / المواطنة في الخطاب التشريعي الإسلامي مع اختلاف العقائد (4 ـ 5)
المواطنة في الخطاب التشريعي الإسلامي مع اختلاف العقائد (4 ـ 5)

المواطنة في الخطاب التشريعي الإسلامي مع اختلاف العقائد (4 ـ 5)

قراءة في ندوة : “فقه رؤية العالم والعيش فيه ـ المذاهب الفقهية والتجارب المعاصرة”

ـ الاسلام اعتبر أهل الكتاب الذين يعيشون في أرجائه أمة مع المؤمنين ما داموا قائمين بالواجبات المترتبة عليهم

ـ بني الإسلام نظامه على أساس المواطنة القائمة على حرية التفكير وعدم الاستبداد والمساواة في الحقوق والواجبات

ـ الحرية أخذت معاني متعددة لدى الأمم والشعوب، بحسب الثقافات والفلسفات والعقائد والأديان والمصالح والسياسة

ـ يحاول البعض إبعاد التوجه الديني عن معنى الوطنية، لأن الأطروحات الدينية والمعتمدة على ثوابت العقيدة، قد تؤدي ـ في نظرهم ـ إلى إبعاد الآخر

قراءة ـ علي بن صالح السليمي:
بمباركة سامية من لدن حضرة صاحب الجــلالة السلطان قـابـوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ أقيمت خلال الفترة من 25 الى 28 جمادى الاولى 1434هـ الموافق 6 الى 9 ابريل 2013م ندوة تطور العلوم الفقهية والتي جاءت بعنوان:”فقه رؤية العالم والعيش فيه ـ المذاهب الفقهية والتجارب المعاصرة” وهي النسخة الثانية عشرة من الندوات التي تنظمها وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في هذا الجانب المهم .. حيث شارك في الندوة علماء ومفكرون وباحثون من داخل السلطنة وخارجها .. وتناولت اوراق عمل وبحوثا هامة.
وضمن تلك البحوث والاوراق المقدمة .. ورقة عمل بعنوان: (المواطنة في الخطاب التشريعي الإسلامي مع اختلاف العقائد) للباحث الدكتور سلطان بن محمد بن زهران الحراصي.

نواصل معك عزيزي القارئ الحلقة الربعة وقبل الاخيرة من هذا البحث القيم والذي حمل عنوانا هاما للغاية حول المواطنة في الخطاب التشريعي الاسلامي مع اختلاف العقائد ..
يقول الباحث ان الإسلام قد حمى أولئك الذين لم يقتنعوا به، فحافظ على خصوصياتهم الدينية والعرقية في إطار عقد الذمة، إذ يأخذ الفرد نصيبه الكامل من حقوق المواطنة ويتمتع بحرية التفكير، فالإكراه منفي عنه بكل أشكاله، لأن الإسلام عالمي النزعة ينظر بنظرة التفاؤل والأمل، فرغم دعوته الربانية الواضحة، إلا أنه ينظر إلى جميع الخصوصيات على أساس التنوع والتعارف والاحترام، فيحتويها بعظمته، ويضمها تحت جناحه بعقيدته، ويهيمن عليها بهديه، لأنه الدين الخاتم، والحقيق بالظهور على الدين كله، ولا أدل على ذلك من تحديد مفهوم الأمة على نحو جديد ما كان معلوما لقريش، ذلك المفهوم الذي تضمنته الصحيفة التي أطلقها النبي (صلى الله عليه وسلم) في المدينة المنورة، فمفهوم الأمة “في الصحيفة تضم المسلمين جميعا، مهاجريهم وأنصارهم ومن تبعهم ممن لحق بهم وجاهد معهم أمة واحدة من دون الناس، وهذا شئ جديد كل الجدة في تاريخ الحياة السياسية في جزيرة العرب، إذ نقل النبي (صلى الله عليه وسلم) قومه من شعار القبيلة والتبعية لها إلى شعار الأمة التي تضم كل من اعتنق الدين الجديد .. اندمج المسلمون على اختلاف قبائلهم في هذه الجماعة التي ترتبط فيما بينها برابطة الإسلام .. لقد انصهرت طائفتا الأوس والخزرج في جماعة الأنصار، ثم انصهر الأنصار والمهاجرون في جماعة المسلمين وأصبحوا أمة واحدة، تربط أفرادها رابطة العقيدة وليس الدم .. وولاؤهم لله وليس للقبيلة، واحتكامهم للشرع وليس للعرف، وهم يتمايزون في ذلك كله عن بقية الناس “من دون الناس” .. واعتبرت الصحيفة اليهود جزءا من مواطني الدولة الإسلامية وعنصرا من عناصرها، ولذلك قيل في الصحيفة “وإنه من تبعنا من يهود، فإنه له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصرين عليهم”، ثم زاد هذا الحكم إيضاحا نص فيها صراحة بقوله:”وإن يهود بني عوف أمة واحدة مع المؤمنين..”، وبهذا نرى أن الاسلام قد اعتبر أهل الكتاب الذين يعيشون في أرجائه مواطنين، وأنهم أمة مع المؤمنين ما داموا قائمين بالواجبات المترتبة عليهم، فاختلاف الدين ليس ـ بمقتضى أحكام هذه الصحيفة ـ سببا للحرمان من مبدأ المواطنة”.
مؤكدا بأن الإسلام الحنيف قد بنى نظامه على أساس المواطنة القائمة على حرية التفكير وعدم الاستبداد من ناحية، وعلى المساواة في الحقوق والواجبات من ناحية أخرى، على أن الحرية والمساواة لا يمكن تحققها إلا بقيمة عظيمة أمر بها الإسلام ألا وهي العدالة المطلقة في كل شئ.
أولا ـ الحرية:
لقد خلق الله الناس أحرارا، وميزهم عن بقية المخلوقات بالاختيار المعبر عنه في القرآن بالكسب ورتب على ذلك العواقب، من ثواب أو عقاب، بحسب عمل الإنسان المعلوم عند الله تعالى.
موضحا بأن الحرية قد أخذت معاني متعددة لدى الأمم والشعوب، بحسب الثقافات والفلسفات والعقائد والأديان والمصالح والسياسة، على أن ضابط الحرية إما أن يكون العقل أو الدين، ولا خلاف بينهما في منظومة الإسلام الحق، لأنه دين تكامل بين الثنائيات، بخلاف بعض الأطروحات غير الإسلامية التي تفصل بين الديني والعقلي، والمادي والروحي .. فالوحي يفهم بالعقل والعقل يتغذي بنور الوحي، فيتحدا جميعا ليكونا منهجا وسطيا يتسم بالشفافية في النظرة، والواقعية في الطرح، وكل صراع ـ حديث أو قديم مع المسلمين أو غيرهم ـ بين العقل والنقل أو بين المادة والروح هو صراع لا يقره الإسلام الحق، فسيادة الليبرالية ـ مثلا ـ إنما هو سيادة لنزعة عقلانية تمثل ردة فعل معارض ـ للنزعات الدينية المتوارثة عموما ـ معارضة عناد وتحدي للدين، أساسها (الليبرالية) التغريب بدعوى التنوير، والعقلنة بدعوى العقلانية، في زمن العولمة الفكرية والرأسمالية المادية الامبريالية، وإلا فان الإسلام العظيم هو دين العقل بضوابطه التي تحميه من الانزلاق وراء الهوى، لأن العقل سلاح ذو حدين، فقد يجعل العقل الحق باطلا والشر خيرا، والنور ظلمة والهداية غواية، عندما تترك له الحرية في الأخذ والعطاء، وهذه الحرية العقلية المطلقة هي سبب ضياع نعمة العقل، فتتحول من نعمة إلى نقمة بسبب كفرانها بالبعد عن طريق المنعم سبحانه، واتباع طرائق الشيطان، أما رفع الله من شأن العقل والعقلاء، وذم في الوقت نفسه أصحاب العقول المعطلة، التي لا تستخدم فيما خلقت لأجله، لأنها تسرح وتمرح في غير مجالها، فالعقلانية المنضبطة مطلوبة، والعقلنة المتفلتة مرفوضة، لأن الأولى (العقلانية) صفة ملازمة للدين ومكملة للشرع، إذ الأحكام الشرعية موسومة بالعقلانية، المنسجمة مع الواقع والبعيدة عن العبث، والتي تحمل للبشرية خيري الدنيا والآخرة، والثانية (العقلنة) صفة بعيدة ومضادة للدين ومعادية للشرع، فهي تعنى محاولة اصطناع دين من صنع العقل، قد لا يعترف بالوحي بل قد يناقض الوحي، أي ـ باختصار ـ فهم الدين من خلال نظر عقلي بحت، مع رفض ما لا يتفق مع العقل، أما ظهر من يقول بأن الأحكام الشرعية لا تصلح للعالم اليوم في عصر العولمة، وإنما هي ـ قديما ـ لأهل الجزيرة العربية، أما ظهر من يدعوا إلى نبذ الدين لأن فيه نزعة ظلامية غيبية، أما ظهر من يدعي زورا وبهتانا أن الدين له دور سلبي على المجتمعات، ويمثل حالة ركود وإسقاط لحاجات بشرية طبيعية، أما ظهر من يقول بأن الوحي هو خلقة زمان ومكان فكل شئ من أحكامه نسبي، فهو لا يخرج عن حدود التاريخ، فلا توجد قيم مطلقة بل متطورة غير مستقرة تقبل الأخذ والرد وفق الواقع والمصلحة المتطورة .. الخ، أما ظهر من يحاول تطبيق مناهج النقد التاريخية في الكتب المقدسة ومنها القرآن الكريم، ليكون الوحي أسير النزعة التاريخية النسبية.
مبيناً بأن هذه الأفكار الخرافية الضالة قد جاءت من وحي عقول تدعي وتتشدق بالحرية، فهل يعقل أن نقبل الحرية بهذا المعنى العقلي المظلم غير المحدد والواضح، فلو قبلنا الحرية بهذا المعنى غابت الهوية وانهدمت الأمة وضاعت الأخلاق المطلقة وعم الشر، وعدنا إلى مجتمع الغاب الجاهلي، المجتمع الذي يتكون إنسانه من شهوات مستعرة ومصالح متضاربة وقوانين متغيرة وقوى متصارعة وأحزاب متقاتلة .. المجتمع الذي جف في قلبه نور الإحسان وحلاوة القرآن وثبات المعتقد وقوة الدين، وسلامة النفس، فتكون الأمة الإسلامية صورة باهتة وتابعة للغير، وهذا ما يريده أعداء الداخل والخارج.
وقال: ومن المؤسف له ـ حقا ـ أن تظهر ويعتنق هذه الأفكار من هم في مجتمع الإسلام ـ دين الله الحق ـ المجتمع الذي يتمتع ـ والحمد لله ـ بإطار عقدي واضح المنارات، بين المعالم، محفوظ الأسس، يحدد ـ في معالمه الكبرى ـ علاقة الإنسان بربه وبالكون وبالبشر من حوله.
وان الإسلام الذي حفظ الله تعالى به كتابه الكريم، والصحيح من سنة نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليكون القرآن الكريم حجة على العالمين، ودليلا وبرهانا ومعجزة إلى يوم الدين، والإسلام الذي ينظر إليه اليوم كمنقذ وحيد للعالم بعد تهاوي كثير من الأنظمة والأطروحات البشرية.
وقال: إن هذه الحرية ـ بهذا المفهوم والمعنى المتفلت ـ لا يمكن أن تستمر في تربة الإسلام لدقيقة واحدة، بل لا بد من محاربتها فكريا، والتصدي لتوغلها بكافة الوسائل ومختلف الطرق في زمن العولمة، وذلك لما لها من آثار سلبية على الأمة ـ في كل مجالاتها ـ على المدى البعيد والقريب، وحسبنا ما كفل الله تعالى لنا من حرية شرعية محددة، تضمن لنا العيش الكريم، والتعايش بسلام مع النفس والكون والآخرين، وتحفظ لنا أمن الأوطان والسلامة في القلوب والأبدان.
ثانيا ـ المساواة:
إن وطن الإسلام الحنيف لا ينظر البتة إلى العرق أو المذهب أو الطائفة أو الشكل أو اللون .. الخ، لأن همه الأول يتمثل في إخراج هؤلاء من ضيق هذه الأعراق والمذاهب والطوائف والأحزاب والألوان والأيديولوجيات والتوجهات الضيقة إلى رحابة الإسلام الفسيح، القائم على الديمقراطية المستمدة من نظام الإسلام وشريعته السمحة، التي تكفل لهم التوازن بين متطلبات المادة والروح في وطن واحد يجمعهم على كلمة سواء، إذ ان أصلهم الإنساني وميولهم الفطرية تقتضي محبتهم للوطن الذي يوفر لهم تحقق تلك الفطرة الغريزية القائمة في النفس البشرية، ومن هنا كان الدفاع عن الأوطان جهادا في سبيل الله تعالى، وبتحقق المساواة في الوطنية يظهر دفاع المواطنين عن المصالح المشتركة في الوطن الواحد، فيكون الجميع سدا منيعا، وصفا واحدا ضد أعداء الداخل والخارج ، على أن الله تعالى قد جعل ميزان التفاضل بين الناس جميعا هو التقوى، فلا عبرة بلون ولا طائفة ولا جغرافيا لا قبيلة وعشيرة .. الخ، وإنما العبرة بمقدار القرب والبعد عن الله، لأن التقوى هي الضمانة الحقيقية لتحقق قيم المواطنة، وذلك بما تحمله التقوى من التزام بقيم روحية عالية، ومبادئ مادية راقية، أساسها خالق الكون الذي يعلم ما يصلحه وما يفسده .. وأي فهم نظري أو تطبيقي يخالف هذا فالإسلام منه براء، إذ لا يُنتقد الإسلام بانحراف أفراده في فهم وتطبيق عقيدته الطاهرة ومبادئه الوطنية الراقية، ولكن مع الفهم الصحيح ـ في إطاره العقدي ـ والتنفيذ التطبيقي السليم ـ في إطاره العملي ـ يرتفع شأن الوطن وتعلو كلمته، ويسود الخير والأمن فيه، وتظهر العزة والكرامة، وما ذاك إلا بفضل ما تم غرسه من قيم المواطنة الإسلامية، والتي تظهر جليا في كتاب الله تعالى، وفي صحيفة المدينة والتي تمثل ـ بحق ـ النموذج المثالي لقيم المواطنة، فقد حدد النبي (صلى الله عليه وسلم) فيها القواعد الكلية والضوابط العامة التي تضمن تعايش الأفراد ـ مع اختلاف أديانهم وطبائعهم ـ في وطن واحد ويظهر لكل من اطلع على ما في الصحيفة من بنود كالآتي:
ـ تقوية اللحمة الوطنية: فالكل امة واحدة من مسلمين ويهود ومنافقين ووثنيين، إذ تجمعهم الوحدة الإنسانية، بغض النظر عن التوجهات الدينية.
ـ تقرير حماية الوطن: المحافظة على سلامة الوطن وقوته، بعدم التعاون مع مشركي قريش الذين يتربصون بالأمة والوطن الناشئ الدوائر، ووجوب الدفاع عن المدينة والنصر يكون في حالة الحق والعدل لا في حال الظلم والإثم، فالإسلام مع الحق لا الباطل، وجميع المواطنين في درجة المواطنة سواء أمام الشريعة والدين، فلا تمييز لقرابة قريب ( وأن بينهم النصر على من دهم يثرب، وأنه لا يحول هذا الكتاب بين ظالم أو آثم).
ـ حماية المواطن أيا كان: نصرة أي فرد في الوطن بغض النظر عن عقيدته وتوجهاته، فاليهود ينصرون ويبعد عنهم الظلم.
ـ كفالة حرية التدين: فقد أقرت الصحيفة أن لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، وفي هذا ما فيه من العدل والبعد عن الظلم.
ـ التعاون الوطني: المواطنون جميعا عليهم مؤازرة الدولة اقتصاديا في الحرب (وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين).
ـ توحيد المرجعية: المرد في حال التخاصم والشجار والتنازع هو كتاب الله وسنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فالحاكمية لله ورسوله، وذلك لعالمية دعوة الإسلام، وصلاحيته لكل زمان ومكان.
ثالثا: العدالة:
إن من يمعن النظر في آي القرآن العظيم، يجد ـ وبكل وضوح ـ أن الدعوة الى العدالة تدخل في شؤون الحياة كلها، فالله يدعو إلى العدالة في الحكم والقضاء ويدعو الله تعالى إلى العدالة في الشهادة، ويدعو إلى العدالة في الصلح بين المتخاصمين، فهذه الدعوة الإسلامية إلى العدالة المطلقة ترشح الإسلام لأن يكون وعاء الوطنية بضوابطها الشرعية، إذ يجد الناس جميعا فيه المخرج والمخلص مما يعانونه من ظلم وتعد وجور.
وقد تحدث الباحث حول المبحث الثالث: وهو المواطنة الإسلامية تكفل للناس حرية العقائد فقال: يحاول البعض إبعاد التوجه الديني عن معنى الوطنية، وذلك لأن الأطروحات الدينية والمعتمدة على ثوابت العقيدة، قد تؤدي ـ في نظرهم ـ إلى إبعاد الآخر ـ المخالف دينيا ـ ورفض أو تقزيم مشاركته في الأمة .. ورغم أن هذه هي النظرة السائدة في المنظومة العلمانية، والتي تحاول بناء الوطنية ـ كما تدعي ـ على قيم مدنية فيما يسمى بمؤسسات المجتمع المدني، إلا أننا نجد أن ما يجري في كثير من دول العالم التي تتبنى العلمانية ـ كليا أو جزئيا ـ في حياتها العامة ما يخالف ذلك ويعاكسه، إذ يُبعَدُ ـ في الغالب الأعم ـ المتدينون من صنع القرار ومن صناعة السياسة، ومن الاعتماد عليهم في إقامة مشاريع وطنية عملاقة أو حتى أخذ مشورتهم، أو تلميع أسمائهم في مجالات الاقتصاد أو التنمية أو السياسة أو الثقافة .. الخ، إلا بمقدار قربهم وبعدهم من نظام العلمانية المصلحية، فالعلمانية تتهم الآخرين فيما هي تقع فيه، فهي ترى الآخرين كما ترى نفسها.
وقال: الحق أن الإسلام يختلف عن غيره من الأطروحات الأرضية، لأنه وحي من السماء، جاء ليقيم القسط في الأرض، وليحقق العدل بين الناس ، فلا فرق بين الناس إلا بالتقوى، والكل له الحق في المشاركة الايجابية في بناء الأمة والوطن، ولكل حقوق وواجبات كفلها دستور الأمة المنبثق من عقيدة الأمة القرآنية وتاريخ أبنائها المجيد .. وأي أمر وقع في تاريخ الأمة ـ قديما أو حديثا ـ على خلاف هذا فهو عمل أفراد أو جماعات لا يُتهم به الإسلام الحق على أن لله تعالى الحق في ابتلاء خلقه فله سبحانه الحجة البالغة، والإرادة النافذة والحكمة الباهرة، في أن يفعل ما يشاء في كونه، وعقولنا مهما عظمت لا تصل إلى فهم مراد الله تعالى في كثير من الأمور، فوجب علينا الإذعان لحكمة، والرضى بقضائه وقدره، والتسليم المطلق لشريعته والخضوع لدينه.
مشيرا هنا الى ان الإسلام قد أكد على وحدة الرب ووحدة الأصل البشري ووحدة الدين، وأن اللون والجنس والقبيلة ليست للتفريق والتباغض وإنما هي للتعارف والتعاون والتكامل، فشريعة الله تعالى عالمية تشمل الناس جميعا بالإيمان للمؤمنين، أو بالأمان (المواطنة) لغير المؤمنين شريطة الالتزام بأحكام الإسلام العامة التي تضمن الحرية والمساواة والحماية، وقال (صلى الله عليه وسلم): “الناس سواسية كأسنان المشط، لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى”، وقال (صلى الله عليه وسلم) :”إن الله عز وجل قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية، وفخرها بالآباء، كلكم لآدم وآدم من تراب”.
.. للحديث بقية في الاسبوع القادم.

إلى الأعلى