الإثنين 19 أغسطس 2019 م - ١٧ ذي الحجة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / وسائل القوة الناعمة في ادارة التوجهات الحكومية

وسائل القوة الناعمة في ادارة التوجهات الحكومية

محمد بن سعيد الفطيسي

ما حدث ويحدث في العديد من الدول اليوم، خصوصا دول عالمنا العربي، من صراعات وتجاذبات ومشاققات داخلية أدت إلى تدخلات، وتدخلات خارجية انتهت باستعمار ضمني وصريح لأوطان كانت مستقرة تنعم بالأمن والأمان والسلام والوحدة، ودمار للبنيان وإبادة للإنسان، يدرك تمام الإدراك أن خلف تلك الفوضى والاضطراب أسبابا لا أعتقد أنها يمكن أن تتجاوز ضعف وهشاشة الداخل الوطني، وهذا الأخير لا شك أنه نتيجة طبيعة أخرى لعدم قدرة المكون الداخلي أو عناصر البناء الوطني “الحكومة والشعب” على التفاهم والتعامل مع حقوق وواجبات كل منهما تجاه الآخر في الحياة الوطنية.
صحيح أن هناك عوامل وأسبابا خارجية لعبت دورا كبيرا في توسيع دائرة الخلافات والمشاققات الداخلية حتى انتهت بصدامات بين الشعوب وحكوماتها، وهو أمر لا يمكن تجاوزه أو تهميشه مطلقا، ولكن بلا شك أن ذلك لم يكن ليحدث بتلك الطريقة والأسلوب الفوضوي المدمر لو أن البيئة الداخلية كانت أكثر صلابة وتماسكا في مواجهة تلك العوامل والاضطرابات، ولا شك أكثر أن الحكومات تتحمل النسبة الأكبر في كيفية إدارة وتصريف تلك المحفزات السلبية، وتوزيع تلك المطالب الطبيعية على مصادر قوتها الصلبة “الاقتصادية والأمنية” والناعمة “الدبلوماسية والسياسية” بطريقة تحقق الوئام والتناغم بين المدخلات والمخرجات؛ أي بين القدرة والإمكانات والمسؤوليات والالتزامات.
ولا شك أن على شعوب المنطقةـ كل في بيئته الوطنية ـ مسؤولية تاريخية كبرى، خصوصا أن الجيل الحاضر هو جيل متعلم مثقف، يعي ويدرك تمام الإدراك ما يحدث على أرض الواقع السياسي من فوضى واضطراب هو نتيجة محاولات وتدخلات أجنبية في شؤون المنطقة، وكذلك توسع في دائرة المصالح السياسية وتضاربها بين ذات الأنظمة والحكومات، وكذلك على الصعيد الداخلي هناك الحاقد الفاسد الحاسد الكائد، وهو ما يرفع من سقف تلك المسؤولية، خصوصا بين فئة الشباب.
وإن كان من سبيل لرتق ذلك الفتق، وخريطة طريق لردم تلك الهوة التي تزيد اتساعا كل يوم بين الحكومات والشعوب في ظل هذا الكم الهائل من أسباب الفرقة والخلافات، فهو سبيل العقل والحكمة وتغليب الصالح الوطني، واستغلال مصادر القوة الوطنية، خصوصا الناعم منها في زيادة التماسك والتلاحم الوطني، والبعد كل البعد عن كل الأسباب التي تؤدي إلى رفع مستوى انعدام الثقة أو ضعفها بين الحكومات والشعوب، وكذلك عوامل الحنق وسلبية الأفكار والمشاعر وتهييج الرأي العام عبر أطروحات وتوجهات غير مدروسة أو لا تأخذ في الحسبان أثناء طرحها الأسلوب الإداري والإجرائي المتعقل والمتزن.
على ضوء ذلك يمكن التأكيد على أننا اليوم بأمس الحاجة إلى البراعة في استخدام أو استغلال مصادر قوتنا الوطنية الناعمة في إدارة شؤون الدولة الداخلية، خصوصا ذلك الجانب الذي يصب في صالح الوحدة الوطنية والتماسك الداخلي وإدارة التوجهات الحكومية لما فيه الصالح الوطني العام، والتقارب بين حكومات المنطقة وشعوبها، فالقوة الناعمة هي وسيلتنا الحيوية للنجاح في السياسة الوطنية الداخلية خصوصا، ومن أبرز وأهم تلك الوسائل الناعمة على سبيل المثال لا الحصر في إدارة الحياة الوطنية:
أولا: القائد المحبوب في الأمام دائما: إن وضع القيادات المحبوبة والمقبولة من قبل المجتمع في الواجهة الأمامية للحكومة مكسب ومصدر قوي لزيادة الترابط والثقة بين الحكومة والمواطنين، فمما لا شك فيه أن هذا النوع من القيادات عامل من عوامل القوة الرسمية، والعكس صحيح، فالمسؤول العاجز عن التقارب مع المجتمع عامل خطير من عوامل الاضطراب والقلق وانعدام الثقة في الحكومة، وهو ما تنبهت إليه العديد من حكومات العالم، التي بدأت تركز على هذه الفئة، خصوصا الشباب الاجتماعي والمقبول بين المجتمع، وتحديدا في الوحدات الخدمية أو التي تقوم على التواصل والاتصال المجتمعي.
ثانيا: زراعة الأمل ونبذ ثقافة الخوف: من أكثر الأسباب التي تؤدي إلى توسع دائرة الخلافات والنزاعات الداخلية هي ثقافة المسؤول في إدارة متغيرات وثوابت الحياة الوطنية، خصوصا في الجانب الاقتصادي، فمما لا شك فيه أن انتشار تلك المفردات الثقافية والسياسية التي ترفع من دائرة الإحباط وتراجع الثقة بين الحكومة والمسؤولين من جهة والمواطنين من جهة أخرى، خصوصا في جانب الحياة الاقتصادية تؤدي مع الوقت إلى إضعاف اللحمة الوطنية وتماسك البناء الداخلي. أمر آخر في ذات السياق هو اتساع دائرة مصادر الضعف والعجز في إدارة الحياة السياسية والاقتصادية، ما يدفع إلى تكرار عدم المصداقية في التعاطي مع التوجهات والسياسات والقرارات الحكومية. وبمعنى آخر، لا يجب أبدا أن نعد بشيء لا نستطيع إنجازه أبدا. وأخيرا الإدارة السياسية الناعمة تقتضي القدرة على تحديد ووضوح السياسات والتوجهات الرسمية المستقبلية، فمن غير المقبول كذلك نشر ثقافة الشك وعدم الوضوح والشفافية في الخطط المستقبلية، خصوصا ما يتعلق منها بالجانب الاقتصادي.
ثالثا: الثقة السياسية قبل الخبز أحيانا: يعد فقدان الثقة في الحكومة أو تراجعها من أخطر العوامل المتسببة في الصراعات والخلافات الداخلية، وأسباب فقدان ثقة المواطن في مؤسسات دولته عديدة ومختلفة، ولكن بتصوري يقع على رأسها في وقتنا الحاضر عدم قدرة الحكومة على المواءمة بين القدرة والإمكانات الرسمية والمتطلبات الشعبية والوطنية، ما يدفعها في كثير من الأوقات إلى القيام بأنشطة وتفاعلات أكبر بكثير من حجم إمكاناتها في طريق مساعيها إلى التقارب مع مواطنيها.. إذًا نحن بحاجة إلى صناعة التوازن بين أهمية توطيد الثقة بالتوجهات والسياسات والقرارات وتلك الإمكانات الرسمية عبر أسلوب يدير هذه الحالة السياسية الوطنية. وبتصوري أن أفضل طريقة لذلك هو التقارب مع المواطنين والتفاعل الدائم معهم والبحث عن مختلف الوسائل للاستماع إليهم، والإنصات إلى همومهم وأفكارهم. وباختصار (أصبح من الضروري على الحكومات الوقوف في مقدمة الزورق وليس في الخلف، والتخلص من أكبر قدر ممكن من ثقل حمل القرارات والتوجهات من خلال توزيعها بينها وبين الرأي العام ومؤسسات المجتمع المدني؛ أي دفع سلطة صنع القرارات إلى الأسفل بأكبر قدر ممكن حتى تصل إلى مستوى القاع).
رابعا: افتحوا الأبواب والشبابيك المغلقة: المؤسسات المغلقة والأبواب المقفلة والسياسات غير الواضحة دائما ما ترسم صور ذهنية سيئة وانطباعا بالشك والريبة عن سياسة المؤسسة وتوجهات المسؤولين، فهي أشبه بالمنازل المغلقة التي لا تدخلها الشمس تكون معرضة لتكاثر الطفيليات والفساد، وهو ما يكلف النظام السياسي والإداري الكثير من فرص الثبات والاستقرار في الحياة المدنية، لذا يمكن التأكيد على أن من أبرز السياسات الإدارية الناجحة هي الشفافية والصراحة في التعاطي مع القضايا الوطنية، والأهم من ذلك البراعة في توجيه تلك الشفافية والصراحة بطريقة تعمل على رفع الأسهم الحكومية في الساحة الشعبية والجماهيرية، وليس من وسيلة أفضل لتحقيق ذلك من النزول إلى الميدان والتقارب مع الجمهور وسياسة الأبواب المفتوحة في المؤسسات الحكومية، وتوسيع سبل ووسائل التواصل والاتصال بين المؤسسات الرسمية والمواطنين.

إلى الأعلى