الخميس 18 يوليو 2019 م - ١٥ ذي القعدة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / إسرائيل .. وسياسة تكميم الأفواه

إسرائيل .. وسياسة تكميم الأفواه

د. أسامة نورالدين:
يبدو أن سلاح الكلمة الموجهة إلى إسرائيل يؤلمها أكثر من أي سلاح آخر، ما يجعلها تبذل قصارى جهدها من أجل تكميم الأفواه، ومنع النشطاء من إدانة إسرائيل سواء في وسائل الإعلام أو على منصات التواصل الاجتماعي، واعتبار ذلك من الجرائم الخطيرة التي تستحق التجريم والمواجهة من خلال لجانها الإلكترونية المنتشرة في مناطق عديدة من العالم، ليس هذا فحسب، بل ودفع اللوبيات المناصرة لها لرفع القضايا ضد هؤلاء، مثلما نشاهد في إسبانيا هذه الأيام من محاكمة ثمانية نشطاء أمام القضاء نتيجة لنشرهم تغريدات على تويتر، تدافع عن الشعب الفلسطيني وتطالب بمقاطعة إسرائيل بسبب حصارها الغاشم على الشعب الفلسطيني وقيامها بارتكاب مخالفات جسيمة للأعراف والمواثيق والقوانين الدولية.
ولخطورة الكلمة وتأثيرها على مصالح إسرائيل العليا، خصوصا المصالح الاقتصادية بعد انتشار حملات المقاطعة المطالبة بمقاطعة المنتجات الإسرائيلية المصنعة في المستوطنات المنتشرة في الضفة الغربية وهضبة الجولان المحتلة، يبحث الكنيست الإسرائيلي مشروع قانون يقضي بعقوبة السجن لمدة سبع سنوات على كل من يمارس نشاطا في إطار حملة مقاطعة إسرائيل أو منتجاتها.
وتعتبر إسرائيل أن حركة مقاطعة إسرائيل (BDS) من أكبر الأخطار الاستراتيجية المحدقة بها، بسبب نجاحها في عزلها سياسيا وثقافيا وأكاديميا، واقتصاديا، فعلى وقع الضغط الكبير الذي تمارسه الحركة ضد الشركات العاملة في إسرائيل، قررت شركة “فيوليا” الفرنسية العملاقة إنهاء آخر استثماراتها في المستوطنات الإسرائيلية.
ووصل الأمر بالحكومة الإسرائيلية لأن تسخر كل إمكاناتها من أجل إجهاض تلك الحركات، ليس هذا فحسب، بل وتغيير أسلوب المواجهة، بعد أن بات لديهم قناعة بأن الرد على تحركات النشطاء المؤيدين لفلسطين بلباقة وأسلوب حضاري لم يعد يجدي نفعا، وبالتالي يجب جرهم إلى المحاكم واتهامهم بمعادات السامية وممارسة الكراهية، مثلما نلحظ مع النشطاء الثمانية المعرضين لخطر الحبس أربع سنوات والعزل من العمل لنفس المدة في إسبانيا.
لقد أثبتت الكلمة أنها بالفعل أخطر سلاح، وأنها يمكنها أن تفعل ما لا تفعله المدافع والطائرات بدون طيار، فقد بنت إسرائيل سياستها لحصار الشعب الفلسطيني على مدار العقود الماضية على استراتيجية الكلمة التي كانت تصور الإسرائيلي كضحية لما يطلقون عليه الإرهاب الفلسطيني، بينما مئات بل وآلاف الضحايا الفلسطينيين الذين يسقطون بنيران المدافع والطائرات الإسرائيلية جناة يحاولون القضاء على الشعب الإسرائيلي.
ولذلك فهي تنتفض اليوم ضد كل من يحاول كشف الحقائق وبيان حقيقة إسرائيل العدوانية والإجرامية، والتي تحاول كسر إرادة الشعب الفلسطيني ومنعه من التواصل مع العالم الخارجي، بل ومنع العالم من الوصول إليه من خلال ما يعرف بقوافل فك الحصار المفروض منذ أكثر من عشر سنوات، ليس هذا فحسب، بل وترك العنان لحلفائها الصهاينة لاتهام كل من يتعرض لإسرائيل بمعاداة السامية، ومن ذلك الحملة الشرسة التي يشنها اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة علي النائبة الديمقراطية الصومالية المسلمة إلهان عمر بسبب التغريدة التي ذكرت فيها أن إسرائيل قامت بتنويم العالم مغناطيسيا، داعية الله أن يوقظ الناس، ويساعدهم على رؤية ممارسات إسرائيل الشريرة.
إن إسرائيل تعلم جيدا خطورة الكلمة وتأثيرها في الرأي العام العالمي، وما يمكن أن تحدثه من خسائر سياسية واقتصادية، الأمر الذي يحتم التوسع في سياسات المقاطعة التي تتبناها بعض الحركات، والعمل على فضح الممارسات الصهيونية، سواء في وسائل الإعلام أو على منصات التواصل الاجتماعي، وعدم ترك مجال إعلامي إلا ومزاحمة إسرائيل فيه، باعتبار أن تلك هي اللغة التي باتت توجع إسرائيل وتؤثر بشكل مباشر على مصالحها الاقتصادية، هذا بالتزامن مع الحراك الفلسطيني المناهض لـ”صفقة القرن” وللحصار المفروض على قطاع غزة، حيث يكمل هذا بعضه بعضا، ومن شأن استمراره أن يعيد القضية الفلسطينية إلي الواجهة باعتبارها أم القضايا وأكثرها تأثيرا في الأمن والاستقرار العالمي.

كاتب وباحث علاقات دولية
Onour95@gmail.com

إلى الأعلى