الجمعة 19 أبريل 2019 م - ١٣ شعبان ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / مَن المسؤول عن القضية الفلسطينية؟!

مَن المسؤول عن القضية الفلسطينية؟!

كاظم الموسوي

تتعرض القضية الفلسطينية إلى أخطار جدية، مصيرية، خارجية وداخلية. وإذا اختصرت الخارجية، سياسيا، بما سمي بـ”صفقة القرن”، التي نسقت بين الإدارة الأميركية والاحتلال الإسرائيلي، ونفذت خطوات منها أو جلها عمليا فإن الأخطار الداخلية تتوزع أسبابها بين الفصائل الفلسطينية، كفصائل و”السلطة الوطنية” كعنوان، وهي تمثل عمليا فصيلا منها، أي أن الأخطار الداخلية تتحملها جميع الفصائل الفلسطينية أو كل القوى الفلسطينية، أحزابا وشخصيات وتيارات فكرية وسياسية، دون استثناء، مع الأخذ بعين الاعتبار دور وفعاليات وبرامج وقوة كل منها. ولكن بحكم التبني أو التصدي تقع المسؤولية عليها أولا وبالتتابع والترابط والمصالح المشتركة ثانيا، ومن ثم العلاقات والمصير في القضية القومية، كقضية مركزية وخيار وطني وقومي. المهم هنا هو رفض كل القوى الفلسطينية الصفقة وتداعياتها، أي التوافق على رفض الأخطار الخارجية، ولكن للأسف لم تقف كل القوى صفا واحدا أو قوة موحدة ضدها بأي شكل من الأشكال. أو أنها بتصرفاتها وسلوكها تقدم للصفقة أو ما يخطط بمستواها ما يفسح المجال لها، وييسر عليها السير في مؤامرتها التصفوية.
الإجراءات الأخيرة التي اتخذتها السلطة في رام الله والمجلس التشريعي في غزة قصمت ظهر النظام السياسي الفلسطيني وشرعته إلى مهب ريح. وتحولت هذه الإجراءات إلى قرارات مقصودة في تعميق الانقسام وضرب محاولات المصالحة المحصورة لحد الآن بين فصيلين متحكمين من الفصائل الفلسطينية، هما حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) وحركة المقاومة الإسلامية (حماس). وهذا الاختصار مخل بكل المعايير والمواصفات والمعاني الوطنية والقومية والإنسانية والقضية برمتها. ويعقد عمليا العمل على رأب الصدع المتسع بين الطرفين المتزعمين للمشهد السياسي، لكن الواقع الفلسطيني لا يتوقف عند هذه الصورة المروجة إعلاميا أو سياسيا، وكأن الشعب الفلسطيني غائب عن حقوقه ومطالبه وتعبيراته الأخرى. لذا جاءت مبادرة التجمع الديمقراطي الفلسطيني من الطرف الثالث في المشهد والنظام السياسي مهمة وممارسة عملية لتجسير الهوة وتنظيم إدارة العملية السياسية بضغوط داخلية أولا، وجهود فلسطينية تعرف وتقدر طبيعة الصراعات ومآلاتها. ومباشرة تقع أمام هذا التجمع مسؤولية كبيرة، تأخر عنها أو أُخر لأسباب كثيرة، وجاء الوقت لاختبار النوايا والقوة والعمل الوطني، ووعي الظروف الموضوعية والذاتية. إن القوى المنضوية في التجمع تقف في واجهة المشهد السياسي اليوم، ومطلوب منها الإسراع في تنفيذ برنامج عمل وطني يعيد القضية الفلسطينية إلى موقعها الفعلي وبقوة قواها الوطنية وبتياراتها المعروفة وتحميلها مسؤولية القضية وحمايتها من الأخطار التي تحيق بها، ولا تسهم فيها، أو تنتظر متفرجة عليها. أي أن يكون التجمع رافعة نهوض وحراك جديد وبناء قوة شعبية جامعة وقادرة على إنهاء الاستقطاب داخل تيار واحد موزع بين طرفين، فتح وحماس، إلى تحالف لكل التيارات وإشراكها في تعزيز التحرر الوطني ومهمتها الأساسية في دحر الاحتلال، وتقديم البديل الوطني المستند إلى شعاري الحرية والاستقلال.
انطلق التجمع الديمقراطي المكون من فصائل فلسطينية، تمثل التيار اليساري في المشهد السياسي الفلسطيني، بحضور ممثلي القوى الخمس: الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، حركة المبادرة الوطنية، الاتحاد الوطني الفلسطيني (فدا)، وحزب الشعب، إضافة لشخصيات وفعاليات اجتماعية ونقابية ونسوية. وواضح من التجمع هذا أنه ليس تنظيما جديدا أو تكتلا عدديا، وإنما تجمع معبر عن مصالح الفئات الأوسع في التكوين الاجتماعي الفلسطيني، وهي التي بالضرورة تقع عليها مسؤولية حماية القضية الفلسطينية والدفاع عن مصالحها والتفاعل المباشر في التغيير المطلوب لإنجاز مهمات التحرر الوطني. أي أن التجمع الديمقراطي مطالب اليوم أكثر من أي وقت آخر بالتزامات استراتيجية وإنعاش الشعور الوطني والاعتبار من دروس التجربة التاريخية والاستمرار في رفض الاحتراب السياسي والاعتقال السياسي والاستفراد بالقرار السياسي والتراشق بتهم التخوين، والصمت على جرائم الاحتلال الإسرائيلي أو التغاضي عنها أو التهرب من تحميله المسؤولية عما صارت إليه الأوضاع في فلسطين المحتلة.
في برنامج التجمع الذي أعلن عن انطلاقته، والتأكيد عليه عند إعلانه الرسمي، ما يجمع ويشد من أهمية التجمع ومواده والتفاف الجماهير الفلسطينية حوله. حيث دعا إلى: “التمسك بالبرنامج الوطني المتمثل بحق العودة وتقرير المصير والدولة المستقلة بعاصمتها القدس، والتمسك بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، ورفض وإحباط أية محاولات لاصطناع البدائل أو القيادات الموازية لها. والتجديد الديمقراطي لمؤسساتها واستعادة اللحمة بينها وبين جماهير الشعب عبر انتخابات عامة وفق نظام التمثيل النسبي الكامل تشارك فيها جميع القوى الفلسطينية بما يعزز الوحدة الوطنية على أساس احترام قواعد الائتلاف والتوافق الوطني والتعددية والشراكة في صنع القرار”. وأكد على “تعزيز الإجماع الفلسطيني على رفض “صفقة القرن”، وقطع العلاقات السياسية والأمنية مع الولايات المتحدة ما لم تتراجع عن مواقفها المعادية لشعبنا وقراراتها المناقضة للشرعية الدولية، وعدم الاكتفاء بالرفض الإعلامي والدبلوماسي، بل اتخاذ إجراءات ملموسة للضغط على مصالح واشنطن لمجابهة وإحباط الخطوات أحادية الجانب الهادفة لتنفيذ الصفقة”.
وشدد على “التمسك بحق شعبنا في مقاومة الاحتلال واستنهاض المقاومة الشعبية بمختلف أشكالها ضد الاحتلال الإسرائيلي في مواجهة إجراءاته الهادفة لتوسيع الاستيطان وبناء الجدار وتهويد القدس، وانتهاك حرمة الأقصى وسائر المقدسات، وفي مواجهة الحصار الوحشي لقطاع غزة، والخطط الهادفة لضم الأرض الفلسطينية، وإقامة نظام ابارتهايد ونفي الوجود الوطني لشعبنا الفلسطيني وحقه في تقرير المصير تجسيدا لقانون القومية سيئ الصيت”. وأضاف البرنامج مهمات نضالية له ولكفاحه من أجل التحرر الوطني وعوامل النهوض والتصدي للأخطار والمؤامرات المعلنة والمخفية. وبلا شك أن تنفيذ ما وضع في البرنامج وتفعيل الحراك الشعبي، والإيمان المخلص بالقضية الوطنية يلبي طموحات الشعب ويحقق المكاسب السياسية المنشودة.
قبل أكثر من عقدين من الزمن تحاورت مع قائد فلسطيني تاريخي طويلا حول ضرورة التنسيق بين الفصائل اليسارية وتوحيد عملها، الأمر المفقود في المشهد السياسي، لا سيما وكان الموضوع مطروحا للنقاش بين نخب الفصائل ذاتها، وقدم لي كراسا حول الموضوع من منشورات فصيله، وتمنيت عليه المبادرة من جديد وتقديم المثال الثوري باسمه، وعدم الاكتفاء بالكراس أو النقاشات الداخلية، أو الرغبات الفردية.. وفي المؤتمر الوطني الثامن لحزب التقدم والاشتراكية في المغرب (2010)، تحدثت في كلمتي والتي نشرت في صحيفة الحزب، بيان اليوم، وقتها، وفي مدونتي، وأجريت حوارات ودعوات مع رفاق من وفود عديدة إضافة إلى المضيفين لنا، عن ضرورة توحيد عمل أحزاب وشخصيات اليسار العربي، كمهمة أولية للنهوض التحرري. وكانت الرفيقة ماري ناصيف الدبس، نائبة الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني، حينها، قد قدمت مقترحات مكتوبة حول الموضوع أيضا، كما كانت الدعوة إلى وحدة عمل اليسار من شعارات المؤتمر، وبعدها عقدت لقاءات وصدرت بيانات حملت اسم اللقاء اليساري العربي وما زال مستمرا بأضعف الإيمان. في الخلاصة من كل ذلك أن هناك تجارب وخبرات لا بد من مراجعتها والاعتبار منها والتقدم إلى الأمام دائما.

إلى الأعلى