الثلاثاء 20 أغسطس 2019 م - ١٨ ذي الحجة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / رحاب: تخلص من عبودية الاستهلاك

رحاب: تخلص من عبودية الاستهلاك

أحمد المعشني

هناك من يكرر مقولة ما عندي شيء، لا أملك مالا، ليس في استطاعتي شراء هذا، ويستسلم تبعا لذلك لحالة من الفاقة العقلية والروحية، ويسجن نفسه في معتقدات الفقر ويصبح متسولا عقليا من حيث لا يشعر، ويرى نفسه دون الناس، وفي مستوى أقل من الذين يمتلكون الأشياء. ومن هذا الصنف شخص حضر معي برنامج قوة النية، وشكى إليَّ ظروفه المالية، وأنه مصاب بحالة من البؤس والفقر، فسألته سؤالا: متى صنع الناس الفلوس؟ ومتى اخترعوا التملك والاستحواذ؟ ومتى رضخوا للطبقية والتصنيف إلى فقير وغني؟ سكت ولم يجبني، فأردفت قائلا: لقد خلق الله جميع الناس أغنياء بالفطرة، ولكن تفكير الناس وبناء معتقدات الخوف من الفقر، وتراكم مشاعر الفاقة لديهم أفرز فقراء ومعوزين، وجعل بعضهم مرضى يخافون الفاقة والفقر. وقد اعتبر الدين الإسلامي الفقر والفاقة مرضا نفسيا، وهو لوثة عقلية من عمل الشيطان. قال الله تعالى” الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ ۖ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ” (البقرة:286). فالمال المتعارف عليه ظهر قبل 3000 سنة فقط من عمر البشرية، وقبل ذلك كان البيع والشراء يقوم من خلال المقايضة، وإذا امتد بنا التفكير في البدايات البشرية الموغلة في القدم نرى أن البشر لم يكونوا يمتلكون، بل كان يحصلون على احتياجاتهم من خلال بيئتهم، سواء بقطف الثمار أو الصيد، وعندما بدأ البشر يدجنون الحيوانات ويستقرون حول مصادر الماء ويجاورون البحار والأنهار، جربوا الاستقرار ثم بدأوا في التنافس والتدافع، والصراع من أجل تملك عناصر القوة ومصادرها. بدأت عقلية خذ وهات تسيطر على حياتهم. ثم جاءت التشريعات لتنظيم المال في حياة الناس، وبالتدريج ظهرت العملة الحجرية حجر الزجاج البركاني الأسود، ثم المعدني، بعد ذلك ظهرت العملة الورقة، والآن تشهد البشرية طور العملة الإلكترونية. لا شك أن المال ساهم في تطور التجارة وتسريع إنجاز الأعمال، ولكنه صار مقيدا لتفكير كثير من الناس، وسبب لهم الخوف والقلق ودفعهم إلى الاكتئاب، والمعاناة النفسية أحيانا. كثير من الأشخاص الذين يترددون على العيادات والمصحات النفسية تشكو الضغوط المالية. وبالرغم من أهمية المال وروعته؛ إلا أنه خلق الحاجة إلى الكماليات الاستهلاكية بحجم يفوق طاقة الناس وتحملهم؛ ما جعلهم مستعبدين لظروف مالية قاسية تعيق نموهم وتكبلهم بالديون وعدم الوفاء بها، وتضاعف عليهم الالتزامات المالية، وتفشي بينهم ظهور الطبقية وانتشارها حتى بين أبناء العشيرة الواحدة وبين أفراد العائلة والأسرة. وصارت النقود مؤشرا للحكم على قيمة الناس ومعنى وجودهم. إن العلاج الذي يمكن أن يساعد هؤلاء يكمن في تدريبهم على التحرر من عادات الاستهلاك المفرط التي صارت جزءا من نظام حياتهم. أعرف شابا أراد أن يتزوج، واتجه إلى أسرة يخطب ابنتهم، وبعد أن تم قبوله، ووافقت العروس وأهلها عليه؛ انكشف لهم المستور من أمره، وعلموا أنه يعيش على كفاف وظيفته، وليست عنده أموال أو ودائع في البنك، بل إنه لا يزال مستأجرا لشقة صغيرة بالرغم من تخرجه في الجامعة وتوظفه مؤسسة حكومية منذ عشر سنوات. فما كان من أسرة الفتاة؛ إلا أن رفضته خوفا على مستقبل ابنتهم. تتكرر هذه الحالات وتظهر في أكثر من صورة وشكل، والسبب وراءها هو المال. من هنا يمكن القول بأن المال يمكن أن يبقى وسيلة من وسائل تحقيق السعادة، ولكنه ليس العامل الوحيد الذي يقرر حياة الناس بين السعادة والتعاسة.

إلى الأعلى