الإثنين 16 سبتمبر 2019 م - ١٦ محرم ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / (بريكست) .. عمل بريطانيا غير المحسوب

(بريكست) .. عمل بريطانيا غير المحسوب

فوزي رمضان
صحفي مصري

29 مارس القادم الساعة 11 مساء بتوقيت جرينتش، تكون بريطانيا خارج الاتحاد الأوروبي.. كيف يحدث ذلك…؟ تلك هي المعضلة!! بعد أكبر هزيمة برلمانية تتلقاها حكومة بريطانية في تاريخ البلاد، وبأغلبية كبيرة تلقت تريزا ماي هزيمة قاسية في مجلس العموم، بعد رفض اتفاق الخروج الذي توصلت إليه مع التكتل الأوروبي، وأسابيع قليلة متبقية على خروج ما يسمى (بريكست) ولا يوجد اتفاق نافذ حتى الآن، ما يهدد بريطانيا بعواقب اقتصادية كارثية ويدفع بها إلى المجهول.
فشل الحكومة البريطانية في هذا الملف يوصف بالوضع المهين، وأشبه بالأزمة القومية التي أعقبت تأميم قناة السويس عام 1956، فقد فقدت بريطانيا حينها جزءا كبيرا من نفوذها كقوة عظمى، هذا التخبط غير المسبوق، يؤكد تراجع النفوذ البريطاني عالميا، حيث الخروج البريطاني غير المنظم سيعود عليها بنتائج سلبية وكارثية، كذلك يتسبب في حالة من الركود، وتقلص حاد في الناتج المحلي الإجمالي، الأمر الذي يعرض آلاف الوظائف للخطر.
حالة من القلق والارتباك تسيطر على استثمارات أربعة ملايين أوروبي مقيم في بريطانيا، ثم ماذا عن قوانين السوق الأوروبية المشتركة، وحرية التنقل لمواطنيها الأوروبيين؟ وماذا عن الإعفاءات الجمركية في التبادل التجاري داخل حدود الاتحاد؟ حالة من الارتباك تسببت في انهيار السوق العقاري، وهروب تسعة مليارات دولار خارج بريطانيا، لدرجة أن الأطباء البريطانيين حثوا الحكومة على الكشف عن مخزون الأدوية الوطنية، وسط إدانة متزايدة من أشخاص يقومون بتخزين الأدوية، استعدادا للخروج من التكتل الأوروبي.
واضح أن الحكومة البريطانية أخذتها الشجاعة والشهامة عام 2016 لإجراء استفتاء على الخروج، بعد تزايد الأصوات الناقمة على تدني مستوى الخدمات الصحية، وتراجع مستوى الدخل بسبب تدفق أعداد كبيرة من المهاجرين وامتصاصهم لخيرات البلاد، ومع ارتفاع حدة أصوات اليمين المتطرف بضرورة الخروج من تكتل الاتحاد الأوروبي، الذي انضموا إليه 1973، وحجتهم أن بلادهم لم تعد تسيطر على حدودها، وقراراتها تصاغ في بروكسل عاصمة الاتحاد، وكيف ذلك وهي بريطانيا العظمى التي كانت لا تغيب عنها الشمس؟ هنا قررت الحكومة إجراء هذا الاستفتاء الشعبي على (البريكست)، جاءت نتائجه بنسبة 51,9% لصالح مغادرة الاتحاد، وبريكست هذا هو اختصار للعبارة الإنجليزية
(British exit)
الفوضى السياسية عنوان الوضع الحالي داخل مؤسسات الدولة البريطانية، والشك ما زال يساور الشارع البريطاني، الذي لا يعلم كيف ستغادر بلاده التكتل الأوروبي؟! حزب العمال البريطاني المعارض يدعو إلى إجراء استفتاء جديد بشأن البريكست، ويعتبر أنه الخيار الوحيد المتبقي، حال رفض تريزا ماي خطة الحزب الخاصة بالانسحاب، ويقترح الحزب قبول الحكومة لعلاقة اقتصادية وثيقة مع الاتحاد الأوروبي، أو إجراء تصويت عام، ويتأزم الموقف أكثر عندما أعلن جيرمي كورين زعيم الحزب أنه يعتزم التقدم بطلب جديد لسحب الثقة من حكومة رئيسة الوزراء قريبا.
تتصاعد أيضا الأصوات بالبقاء في الاتحاد الأوروبي، فقد تلقت منصات التواصل الاجتماعي مبالغ كبيرة من (مؤسسة تصويت الشعب) و(الأفضل من أجل بريطانيا) من أجل تأييد البقاء، ومن أجل الحشد الموسع لإجراء استفتاء جديد، ولو حدث ذلك وجاءت النتيجة بعدم الموافقة على الخروج، سيتم إلغاء (البريكست)، ويبقى الوضع كما هو عليه، وتوفر بريطانيا 39 مليار جنيه استرليني، تدفع للاتحاد الأوروبي لتغطية مديونيات الحكومة البريطانية، لكن تريزا ماي تعارض وبشدة إجراء استفتاء جديد، بعد أن نجت بأعجوبة من سحب الثقة عن حكومتها، بفارق بسيط بعد فشلها تمرير الاتفاق الخاص بالخروج من التكتل الأوروبي، وما زالت ماي تناضل وتكافح حتى اللحظة من أجل التوصل لحل وسط يرضى جميع أحزاب البرلمان، مع أن هذا شبه مستحيل، لتعارض الاتجاهات والرؤى.
في ذات الوقت ترتفع الأصوات المعتدلة بالتوقف عن الانخراط في لعبة سياسية مبتذلة، تدفع بريطانيا إلى المجهول، وفي هذا السياق أعلنت وزيرة الدولة في مجلس العموم البريطاني أن البرلمان سيناقش خطة بديلة لاتفاق الخروج من الاتحاد، وسيجري تصويتا عليه 29 يناير الجاري، خصوصا بعد قرار رؤساء الاتحاد الأوروبي تجميد إمداد العملات النقدية المستحقة لبريطانيا والدول الأعضاء كإجراء احترازي وسط مخاوف من أن توقف رئيسة الوزراء حسابات التكتل الأوروبي حال الخروج من الاتحاد.
إذن لم يتبقَّ أمام تريزا ماي حاليا سوى استعادة حكومتها الثقة من مجلس العموم وإعادة النظر في الاتفاق، والذهاب إلى الأوروبيين كجبهة موحدة، لتفعيل الاتفاق المتفق عليه سلفا، وأمامها خيارات مختلفة؛ إما إعلان توقيف إجراءات الخروج، دون الحاجة لموافقة باقي أعضاء الاتحاد، وإما تمديد فترة البقاء وتأجيل موعد الخروج، لكنها هنا تحتاج موافقة الدول الـ28 الأعضاء، وإما اللجوء مرة أخرى للشعب في استفتاء جديد، وإما تقع تحت مقصلة سحب الثقة من حكومتها بشكل قاطع.
ها هي بريطانيا العظمى سابقا تعيش أزمتها السياسية، وسط انقسام حاد بين كافة الأطراف تقريبا، وربما يكون هذا بسبب (عمل بريطانيا الرديء وغير المحسوب)، وما فعلته من قبل في شعوب الدول التي احتلتها.

إلى الأعلى