الأربعاء 20 فبراير 2019 م - ١٥ جمادى الأخرة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق : حراك المشهد الثقافي العماني وصقل الخبرة الوطنية

في العمق : حراك المشهد الثقافي العماني وصقل الخبرة الوطنية

د. رجب بن علي العويسي

لم يكن الحديث عن الحراك الثقافي في الحياة الثقافية والفكرية والفنية العمانية المعاصرة وليد اللحظة، ولا هو بفعل قرار ظرفي أو نتيجة للتحولات الإقليمية والدولية الحاصلة في البناء الثقافي وتعزيز الهويات، بل هو سلوك أصيل وخيار استراتيجي نابع من أصالة الثقافة العمانية ورقي الفكر والفن العماني الذي تجاوز حدود الوطن فاتسع انتشاره وحاز على إعجاب شعوب العالم أجمع، فكان له حضوره وتأثيره، وسطّر التأريخ والثقافة والفن العماني أروع نماذج التوازن والاعتدال الفكري بما حملته من لمسات الذوق والجمال وأصالته من قيم العدالة والسلام والوئام، ليشكل مشهدا جديرا بالدراسة والبحث وسبر أعماقه وتأطير مدخلاته وفهم آلياته ورصد نواتجه، والتأكيد على أهمية أن يكون الحضور العماني فيه نابعا من القيمة المضافة التي يحققها على صعيد الوعي الاجتماعي الوطني والعالمي في ظل عالم متغير وأحداث متغايرة وتباينات أفصحت عن الوجه الآخر الذي بات يسيء بمقاصده إلى إنسانية الإنسان وحقوق الأوطان.
على أن ما تشهده الساحة الثقافية العمانية من حراك مستمر في المشهد الثقافي الوطني في مختلف مجالاته وأشكاله التعبيرية المتنوعة، ومحطاته المتعددة على مستوى المهرجانات الثقافية والفنية والمهرجانات السياحية التي تضع البعد الثقافي والفني كأحد مرتكزات عملها، والجوائز الوطنية والمسابقات الأدبية والثقافية في مجالات الشعر والقصة والرواية والشعر الشعبي أو في مجالات المسرح والأفلام السينمائية أو في مجالات الفنون التقليدية الأصيلة والتراثية والرياضات التاريخية العمانية لعرضات الخيل والإبل وغيرها أو معارض الكتب والندوات الثقافية التي تتناول أحد رموز العلم والثقافة والفكر في عمان وغيرها كثير، تعبير في أدق معانيه عما تحمله الثقافة العمانية من سمة التنوع والعمق والاستثنائية، وما يمكن أن تحققه من فرص التغيير وترسمه من خيوط الإيجابية ونوافذ الأمل وتؤسسه في أخلاقيات الشعوب، وبالتالي ما وراء هذه الأحداث الثقافية من أبعاد أخرى باتت تؤسسها الثقافة والفن في فكر الشعوب ومواطنتها وهويتها وقدرتها على استيعاب الحالة الإنسانية بطريقة تؤسس لمد جسور التواصل، واستمرار مسارات أكبر لتغيير الواقع، وفتح شراكات أكبر للتعاون، وتوسيع دائرة الاتصال والتواصل وبناء الفرص، وهو منطلق يعكس ما يمكن أن تمثله الرسالة الثقافية من دور مهم في بناء ثقافة الشعوب وتأصيل هويتها الحضارية، وبناء الإنسان الواعي لتراثه وتأريخه، المدرك لموقعه في سلم الحضارة الإنسانية، وإسهامات أجداده ورموزه في الرصيد الفكري العالمي، والذي شكّل بدوره مدخلا لبناء الخصوصية العمانية التي انطلقت من القناعة بأن الإنسان هو أساس التنمية ومحور عملها، وأن صقل مهاراته وقدراته وحفز دوافعه ومواهبه واستعداداته لاستيعاب التطور الحاصل في منظومة العمل الوطني في مجالاتها المختلفة، وإدراك المستجدات الثقافية العالمية، منطلق لرسم خريطة الثقافة الوطنية التي جاءت لتقرأ الحياة في اتساع وشمولية وعمق ليبقى الإنسان العماني مواكبا للتطورات متوافقا مع مساحات التغيير الحاصلة، صاحب مبدأ، قادرا على الإسهام بفاعلية في إضافة لبنات أقوى وأنضج للفكر الإنساني الثقافي والفني والعلمي على حد سواء.
إنها القناعة العمانية بأن الثقافة بأشكالها التعبيرية الفنية والتاريخية والتراثية إنما تنضج وتقوى وتنمو وتتطور عندما ترتبط بالإنسان وتوجّه من أجل تحقيق مصالحه، لتبرز فيها مساحات الإبداع والابتكار وتوفر لها مناخات التجربة وفرص المحاكاة والعمل والمخاطرة، لهذا كانت الثقافة العمانية في عصورها المختلفة طريق الإنسان للتنمية والتطور، فلم يكن غريبا أن يشكل هذا الحراك الثقافي في إطاره الفني والتراثي من أنموذج عصري واعٍ معزز للتكاملية بين الماضي والحاضر والمستقبل، في سبيل تحقيق شراكات متقدمة راقية من أجل الإنسان تقوم على ترقية الفكر الإيجابي والثقافي الراقي وتؤصل بين الشعوب قيم الأخوة والمحبة والتعايش والوئام الإنساني، وهو أمر تمتاز به الشراكات الثقافية لتشمل إيجاد آليات محددة في الاستفادة من خبرات الشعوب في الحفاظ على ذاكرتها الحضارية، وتتسع لتشمل دور مؤسسات التعليم والفكر والثقافة والمراكز البحثية في التأطير لهذا المنتج الثقافي النوعي والمحافظة عليه، وإعادة صيانته والاستثمار فيه وتسخيره في مجال البحث والاكتشاف وغيره، ويفتح مسارات أخرى تجد فيها الشعوب فرصتها لتعزيز المشترك الإنساني في مواجهة القضايا التي يمر بها عالمنا اليوم، وهي قضايا باتت تطرح على المنتج الثقافي والفني والفكري البحث في معالجات لها، لتغير المشاهد الثقافية والإعلامية والفنية والتراثية الصورة القاتمة التي يبدو حولها العالم لتصبح أكثر إشراقة وضياء تحمل معها مفاتيح الأمل وأبواب العطاء، آخذة بيد العالم نحو حياة السلام والوئام والفرح والسرور في مواجهة مشاهد القتل والتدمير والتشريد والحصار وانتهاكات حقوق الإنسان، وحالة البؤس والضجر والإرهاق الذي أنتجته السياسات الغوغائية والإعلام المزيف للحقيقة، المتوحش في وصف الشعوب، السالب لكرامتها المشوّه لصورتها، فتسرد الثقافة بمناخاتها وفنونها الجميلة حكاية الحياة في إطار راق وسلوك رصين، وتؤسس للأجيال القادمة مسارات عمل وبدائل داعمة في مواجهة حالة الانتكاسة التي تمر بها الأمة والتيه الذي بات يسيطر على مسارها السياسي وقنواتها الفضائية المسيّسة، لتجد الشعوب في الفنون الجميلة والتعابير الثقافية المادية وغير المادية محطات للتأمل والتفكير خارج الصندوق، والبحث في فضاءات المعرفة الإنسانية، فتقرأ فيها مكامن القوة وتبني خلالها محطات العطاء وتؤسس في ظلها لمسار الخيرية.
ويبقى على المشهد الثقافي بما يحمله من مساحات الفن الأصيل، والأنموذج الرفيع القائم على أصالة المبادئ الراقية والفكاهة المتناغمة مع حس الحياة، والموسيقى الناضجة المعبرة في سيمفونية الجمال، الناصعة بالحب للتراث والأمل، المعزز في الأجيال نهضة الإباء والتضحية في حب الأوطان، أو تلك الفنون الشعبية التي تهدي العالم أنشودة السلام على إيقاع الرحماني والكاسر، فتعرّف العالم بما تحمله عُمان من فنون ارتبطت بالأرض وارتقت بالإنسان في تعامله مع الآخر، وثقته بنفسه وتحمله للمصاعب وروح المخاطرة التي أكسبته ثقة في الإنجاز وحرصا على تحقيق الأمنيات والوصول إلى الغايات والأهداف، لذلك فهي رسالة عُمان إلى العالم، بأن الثقافة الأصيلة والفن الواعي لمعطيات الواقع، النابع من المبادئ والأخلاقيات والقيم والتراث الأصيل للشعوب، هو القادر على جمع الناس على كلمة سواء، وحشد التأييد لأخلاق العظماء، وتوليد فرص أكبر ليلتقي أهل الفن والفكر وأهل المسرح والكوميديا، وأهل الموسيقى والطرب والغناء في عزف سيمفونية السلام وترقية مبادئ العمل الإنساني في مواجهة الحالة التي يمر بها العالم، لذلك فإن المباركة السامية لمولانا جلالة السلطان المعظم لافتتاح دار الفنون الموسيقية بدار الأوبرا السلطانية، ومهرجان الرستاق العربي للمسرح الكوميدي، ومهرجان مسقط السينمائي الدولي، والفعاليات الثقافية والفنية التي تزامنت مع مهرجان مسقط السياحي ومهرجان صلالة السياحي والمهرجانات المتعددة أو السنوية الثقافية والفنية والتراثية، إنما هي رصيد وطني يحسب للثقافة والفن العماني، ويعكس في ظل عالميته الكثير من الدلالات النوعية التي تؤسس لتبادل الخبرة وصناعة التجربة، وتأسيس مراكز وطنية لاستكشاف المواهب العمانية في مجالات الفن والموسيقى والتراث الشعبي وصناعة الأفلام السينمائية والتاريخية وكتابة المسرح والإخراج الإعلامي وغيرها من الفرص، في ظل عمق أهدافها وشموليتها واتساع جمهورها من العلماء والمثقفين والكتاب والأساتذة والباحثين وعلماء الآثار والتاريخ وخبراء التقنية والسياسيين ورجالات الفكر، وأصحاب المال والأعمال والطلبة وغيرهم، وفي ظل تناغم موجهاتها، وتفاعل عناصرها، وتمازج مساراتها، ناقلة للسلام، حاضنة للفكر الإنساني الأصيل، المعزز لروح التنمية والتقارب بين الشعور، وتأكيد لغة الحوار ومنصات التواصل ومسارات الشراكة، تعبيرا عن إنتاج ثقافي يؤسس لتحولات نوعية في صعيد التنمية الثقافية والفنية.
وبالتالي أن يكون لهذه الجهود والمبادرات الثقافية العمانية، موقعها في مناهج التعليم واهتمامات الأجيال وفي الخطاب التربوي المقدم لهم من خلال التأصيل الفكري والمنهجي لها، بما يحقق فرص الاستدامة، ويعزز من القناعات الإيجابية التي تضع الأجيال أمام مسؤوليتهم في المحافظة عليها واستدامة ممارستها، والتأكيد على أهمية إعطاء البعد الثقافي والفني أهميته، وأن يكون الرصيد الناتج من هذا التمازج الحضاري الذي تؤلفه الثقافة في جوانبها المتعددة منطلقا في اكتشاف الموهبة والفكر، فإن البحث عن دور أكبر للتعليم الجامعي والمدرسي ومراكز البحث العلمي والدراسات التراثية والموسيقية والفنية في الإنتاج الثقافي يرتبط بما يمكن أن تسهم به في إنتاج هذه الثقافة بطريقة تأخذ في الاعتبار اكتشاف الرصيد الفكري والابتكاري والإبداعي والمواهب والاستعدادات التي يمتلكها جيل المتعلمين، عبر إعادة إنتاج المفردات الثقافية وتمكينها من النمو والتطور والدفع بها في خدمة التنمية وتطوير المجتمع، وتشجيع الحركة الثقافية والفنية في مؤسسات التعليم ومن خلال تعزيز حضور المسرح والفنون التشكيلية وعلم الآثار والاكتشافات الأثرية والنحت وتفسير المفاهيم المرتبطة بالتراث المادي وغير المادي وصناعة القدرات الثقافية في المدارس من شعراء وكتاب ومسرحيين وممثلين ومنشدين ومهتمين بالشعر ومتذوقين له، وغيرها من العناصر الثقافية التي تجد في الجامعة والمدرسة فرصتها للنمو والنشوء، وتصقل مؤسسات الثقافة والتدريب والبحث بالخبرة والتجربة؛ ويبقى التساؤل المطروح: كيف يمكن ان نستفيد من هذا الحراك الثقافي والفني الذي جاء إلى عُمان وعايش الثقافة والفن العماني، وهو يستمتع بالنموذج العماني الفائق في مستواه الفكري؛ في صناعة الشخصية الفنية العمانية وصقل الموهبة والخبرة الوطنية، وإضافة مساحات أوسع لتقدمها وتطورها وتمازجها مع هذه الخبرات والقامات الثقافية والفكرية والفنية والمسرحية والموسيقية العالمية، وكيف يمكن أن نسوّق من خلال هذه المهرجانات الثقافية والفنية للكفاءات العمانية الصاعدة فيها لضمان احتوائها والمحافظة على أصالة أسلوبها الفني والمسرحي وتمازجه مع البيئة العمانية وتناغمه مع معطيات الثقافة العمانية، وتوليد فرص وشراكات أكبر مع مؤسسات الإنتاج والفن والثقافة والمسرح والموسيقى بطريقة تراعي قيم المجتمع وأولوياته، هذا الأمر مرهون بحجم ما نحمله من توقعات ونؤسسه من قناعات في جيل الأبناء والآباء، ونمنحه من منصات اللقاء المستمرة الداخلية، وتعريض الكفاءات الناشئة للخبرات التراكمية المجيدة، في ظل توظيف أكبر لما نمتلكه من مؤسسات ثقافية وفنية ريادية حاضرة في سماوات الإبداع الثقافي والفني والموسيقي.

Rajab.2020@hotmail.com

إلى الأعلى