الثلاثاء 17 سبتمبر 2019 م - ١٧ محرم ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / مأزق الطلاق البريطاني من الاتحاد الأوروبي
مأزق الطلاق البريطاني من الاتحاد الأوروبي

مأزق الطلاق البريطاني من الاتحاد الأوروبي

رفض البرلماني البريطاني لاتفاقية (البريكست)، وتم تداول أخبار عن عزم بعض البرلمانيين سحب ملف (البريكست) من رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي جعل الموقف أكثر ضبابية، حيث يشعر الجميع بفوضى، فلم يعد هناك أحد يعرف طريقا للخروج من هذه المشكلة التي بدأها رئيس الوزراء البريطاني السابق ديفيد كاميرون بإجرائه استفتاء على طلاق بريطانيا من الاتحاد الاوروبي بعد 57 عاما شهدت العديد من التوترات، ليضع رئيسة الورزاء تيريزا ماي (التي تؤيد البقاء ضمن الاتحاد الأوروبي) في معضلة لا يستطيع إيجاد الحلول لها أعتى السياسيين البريطانيين ـ حتى ولو كانت الراحلة مارجريت تاتشر التي قالت أريد أموالي مقابل الموافقة على المشاركة في الموازنة الأوروبية. إن الأمر أصبح يتعلق بكبرياء بريطانيا العظمى؛ الامبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس ومصالحها الاقتصادية وحدودها الإقليمية، ووضعها المستقبلي داخل الاتحاد الأوروبي الذي يرفض أن تنال بريطانيا حريتها، والخروج من الاتحاد وهي حائزة على مكاسب ربما تؤدي إلى طمع الآخرين في اتخاذ نفس السبيل للخروج من الاتحاد الأوروبي وتفكيك أكبر شراكة اقتصادية على مستوى العالم تضم 27 دولة.
وقصة )البريكست( أو الطلاق البريطاني كانت مجرد مقامرة افترض أنها ستعمل على ما يرام، بدأها رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون في مواجهة مشاكل كبيرة داخل حزب المحافظين من بعض المتعصبين فأراد إسكاتهم بتلويح الخروج من الاتحاد الأوروبي، واقترح إجراء استفتاء ظنا منه أن النسبة الأكبر من الشعب البريطاني سترفض الخروج، مستندا إلى أن كافة استطلاعات الرأي والخبراء أجمعوا على استمرار بريطانيا، إلا أن النتيجة جاءت عكسية، إذ وافق حوالي 52% على الخروج مما أجبره على تقديم استقالته على الفور. رغم أن بريطانيا كانت تتمتع داخل الاتحاد الأوروبي بوضعية ممتازة؛ فالحدود مفتوحة والعلاقات التجارية أيضا مفتوحة للمهاجرين والعمال، والعملة البريطانية الاسترليني تحتفظ بقوتها، ومسموح باستمرارها كعملة لبريطانيا بديلا عن اليورو عملة الاتحاد. أما في حالة الخروج فسوف تكلف اتفاقية الطلاق البريطاني من الاتحاد الأوروبي (بريكست) 100 مليار استرليني سنويا بحلول عام 2030، وذلك بحسب دراسة نشرها (بي.بي.سي) للمعهد الوطني للدراسات الاقتصادية والاجتماعية، وترجح الدراسة إلى أن مغادرة السوق الموحدة ستخلق عوائق أكبر أمام تجارة الخدمات، وستجعل بيع الخدمات من بريطانيا أقل جاذبية، وهذا سيؤدي لعدم تشجيع الاستثمار في بريطانيا، وسيقود في النهاية إلى أن يصبح العمال البريطانيون أقل إنتاجية مقارنة بحالهم في ظل بقاء بريطانيا ضمن الاتحاد. وبحلول عام 2030، وفي نهاية العقد الأول لبريطانيا خارج الاتحاد الأوروبي، توقعت الدراسة انخفاض إجمالي التجارة بين بريطانيا والاتحاد بنحو 46 في المائة، خصوصا وأن كثيرا من الشركات، وخاصة صناعة السيارات انسحبوا بعد ساعات من الاستفتاء، وسيقِل الناتج المحلي الإجمالي لكل فرد بنحو 3 في المائة سنويا، ما يعادل تكلفة متوسطة للفرد سنويا بنحو 1090 استرلينيا. وسينخفض الاستثمار الأجنبي المباشر بنحو 21 في المائة، إلى جانب تراجع عائد الضرائب بنحو 1.5 إلى 2 في المائة، ما يعادل 18 إلى 23 مليار استرليني خلال تلك الفترة. وفي المقابل تعتقد بريطانيا أنها في حال تخلصها من قيود الاتحاد الأوروبي ستتمكن من التعامل مع أسواق وكيانات أخرى مثل الصين والهند وتركيا قد تعوضها الخروج من الاتحاد الأوروبي.
إن رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي في موقف لا تحسد عليه، ولولا تمتعها بهذه القوة لما صمدت كل هذا الوقت وظلت في موقعها، فالسيناريوهات التي أمامها شديدة القتامة، والضغوط عليها تزداد، فلا يمكنها الدعوة لاستفتاء على الخروج من الاتحاد مجددا خوفا من الفوضى التي يمكن أن تحدث، كما قال وزير المواصلات البريطاني كريس جرايلينج بأنه في هذه الحالة سوف تحدث حرب أهلية، وسينزل العنصريون إلى الشوارع. أما السيناريو الأقرب في موعد 29 مارس موعد الخروج من الاتحاد فهو التنازل وتمديد المدة، وهو شيء مهين للبريطانيين، وسيكون له تأثير سلبي ربما يكون أقلها انهيار عملتها الجنيه الاسترليني، إن ما تشهده بريطانيا ورئيسة وزرائها القوية تيريزا ماي حالة استثنائية لم تشهدها الامبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس من قبل، فماذا يخبئ قادم الأيام للمملكة المتحدة؟ وأي الحلول المرة ستزيل الضباب من مأزق عاصمة الضباب؟

جودة مرسي

إلى الأعلى