السبت 20 أبريل 2019 م - ١٤ شعبان ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / الخزي الأميركي

الخزي الأميركي

وقف وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو أمام كاميرات الإعلام في القاهرة الأسبوع الماضي، وهو يعرف أن العالم بأجمعه يتابعه وينتظر تصريحاته، فيما كان العرب يأملون أن تخرج من فيه كلمات تثلج صدورهم عن توجهات بلاده تجاه المنطقة وصراعاتها، أو أن يعلن عن أجندة ترتيبات لحل القضايا العالقة، لكن صاحب أهم منصب دبلوماسي في أكبر دولة على الساحة العالمية تملكه الأداء الإعلامي الرتيب، وتقمص دور “مذيع التوك شو” الذي يتحدث عن قيم ويطالب المجتمع بها وهو في الأساس يفتقدها، فقال الوزير الأميركي نصا: “ثمّة أخبار جيدة، الخبر السار هو التالي: لقد انتهى عمر الخزي الأميركي الذاتي، وكذلك انتهى عهد السياسات التي أنتجت الكثير من المعاناة التي لم يكن لها من مبرر. والآن تأتي البداية الجديدة الحقيقية”.
الكلمات تحمل في ظاهرها “الأمل” وتضمر في نيتها “الألم”، فالوزير الأميركي لم يحترم عقول المستمعين والمشاهدين، فالإدارة الحالية لبلاده والتي يمثلها تعمل بكل جد على ضياع القضية الأساسية للمنطقة ـ القضية الفلسطينية ـ، فبينما تقر الأمم المتحدة وغالبية دول العالم بحقوق الشعب الفلسطيني في العودة إلى أراضيه المحتلة من قبل الكيان الإسرائيلي، والقرارات الأممية والدولية بضرورة خروج إسرائيل إلى حدود 1967، كانت إدارة الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب على موعد مع “الخزي” عندما أعلنت منذ أكثر من عام عن نقل السفارة الأميركية في إسرائيل من تل أبيب إلى القدس، وهي الخطوة التي عجزت عنها كل الإدارات السابقة حتى أكثرها كراهية للعرب أو التي أحدثت حروبا وخرابا في الدول العربية، فضربت إدارة ترامب بالمواثيق الدولية عرض الحائط، ووأدت قرارات الأمم المتحدة لكي لا تفضح عارها.
الخزي الذاتي هو “إحساس” يرتبط بالمهانة والقهر، وهو ما يتنافى تماما مع الإدارات الأميركية المتعاقبة التي لم تشعر بالخزي؛ لأنها لم تكن مقهورة يوما، وكل مواقفها “المنحازة” ضد القضايا العربية كانت دائما تفتخر بها، بل وتعتبر الإدارة الحالية أكثر الإدارات تشددا تجاه القضايا العربية خصوصا القضية الفلسطينية، فهي من تحاول نزع الهوية العربية عن القدس، وهي من أقامت قاعدة عسكرية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهي من تدعم توجهات سحق الشعوب العربية بالكامل.
الوزير الأميركي تناسى أن إدارته تخلت عن كل المبادئ والأعراف سواء الموجودة في الدستور أو التي توجه المجتمع، فقامت بتنحية مبادئ حقوق الإنسان، وعزلت حقوق سيادة الدول على أراضيها، وأهملت حقوق الشعوب في تحديد مصيرها، وطمست هويات مدن كتبت التاريخ، ودفنت مبادئ التوازن السياسي، وانشغلت فقط بـ”جمع المال” وعقد “صفقات السلاح”.
دعما لوجهة نظري، فقد هاجم وزير الخارجية الأميركي الأسبق، جون كيري، بومبيو بسبب كلماته ـ خلال لقاء له على شبكة “سي إن إن” الإخبارية العالمية ـ؛ لكن هجومه كان لرفض مصطلح “الخزي الذاتي” ولتقديم تعريف آخر له قائلا: “عندما يذعن رئيس الولايات المتحدة الأميركية، لرئيس روسيا، ويقول إنه يصدق بوتين وليس وكالات استخباراته فيما يتعلق بما حصل بأميركا، فهذه لحظة خزي”، وهو تعريف يتسق تماما مع معتقدات وأعراف المجتمع الأميركي، ولا يمكن أن نوجه اللوم لجون كيري الذي دافع عن مبدأ وطني لبلاده.
اختلف بومبيو وكيري في تعريف “الخزي”، لكنهما اتفقا على كلمات تشكل “النهج الأميركي” وهي الكلمات التي قالها الأول في مؤتمره بالقاهرة والمتعلقة بالفوضى، إذ قال نصا ـ بحسب وكالات الأنباء: “تعلمنا أنه عندما تتراجع أميركا غالبا ما تتقدّم الفوضى؛ عندما نهمل أصدقاءنا، ينمو الاستياء؛ وعندما نعقد شراكات مع الأعداء، يتقدمون”، فيا لها من كلمات تعري المنظومة الأميركية من ثياب الأمن والسلام، وهي نفس الكلمات التي ذكرها الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن عندما خاطب دول العالم في 2001 قائلا “إما معنا أو مع الفوضى ـ وهو المصطلح البديل للإرهاب”.
بلا شك، أصبحنا الآن نعرف معنى وبواعث “الخزي” الأميركي، وباتت قناعاتنا موحدة وغير متباينة تجاه من يريد صناعة مجد يفتخر به على أجساد الشعوب العربية، وتجاه من يخرب أوطاننا، فهل “الخزي” الذي يشعر به بومبيو سيعيد فلسطين ويسمح للاجئيها بالعودة وتقرير مصيرهم؟ وهل سينزع الفوضى من العراق أو ليبيا أو اليمن أو سوريا؟ أم أن “الخزي” الأميركي يسير كقارب توجهه إحدى الدفتين حسب الأهواء؟

أيمن حسين
كاتب صحفي مصري وباحث اقتصاد وعلوم سياسية
Ayman76h@Gmail.com

إلى الأعلى