الأربعاء 20 فبراير 2019 م - ١٥ جمادى الأخرة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / التنافس الأميركي الصيني في الكيان

التنافس الأميركي الصيني في الكيان

د. فايز رشيد

يشعر عدد متزايد من المراقبين الأميركيين بالقلق بسبب خسارة أميركا لريادتها العالمية, حيث يقول الكاتب الأميركي المعروف في صحيفة “واشنطن بوست” الأميركية آن ابلبام, إنه بعد انسحاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأحادي من الاتفاق النووي الإيراني, وتوتر الأجواء والعلاقات بينه وبين حلفائه التقليديين مثل أوروبا واليابان والمكسيك وغيرهم, نرى “إن عدنا إلى الماضي نرى أن زمن الهيمنة الأميركية كان قصيرا”. عوامل كثيرة ساهمت وتساهم في هذا الانحسار, حيث قوّض انسحاب أميركا من اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي, النفوذ الاقتصادي الأميركي في منطقة آسيا والمحيط الهادي, ما سمح للصين بمواصلة مشاريعها التجارية والاستثمارية في المنطقة. كما أن التوترات التجارية مع الحلفاء التقليديين, بما في ذلك الاتحاد الأوروبي واليابان وكندا والمكسيك, كل هذا الانحسار, جعل أميركا أكثر عزلة مما سبق لها, وتظهر هذه الحقائق أن نفوذ واشنطن في الشؤون العالمية آخذ في الانخفاض, وهذا هو نتيجة الأبحاث الأخيرة التي تؤكد أنه في الشهر الماضي, خلصت مؤسسة بحثية أسترالية في سيدني تسمى “معهد ليفي” إلى أنه في حين أن أميركا لا تزال مهيمنة في منطقة آسيا والمحيط الهادي, فإن الصين ستصبح في المرتبة الأولى بحلول عام 2030.
نعم, بقلق بالغ, تراقب الإدارة الأميركية تنامي العلاقات الاقتصادية بين الصين وإسرائيل, ما ينذر بأزمة في الأفق بين الحليفتين تل أبيب وواشنطن, لا سيما في ظل الحرب التجارية المستعرة بين الأخيرة وبكين. وحسب صحيفة “هآرتس”, تفاخر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الأسبوع الماضي, بزيادة حجم الصادرات الإسرائيلية إلى الصين بنسبة 56 بالمائة! وتتركز هذه الصادرات أساسا في قطاع التكنولوجيا. وهو ما جاء قبل ساعات من لقاء حديث بين نتنياهو ومستشار الأمن القومي الأميركي, جون بولتون, أعرب فيه الأخير عن قلق واشنطن البالغ من تطور العلاقات الصينية ـ الإسرائيلية, في إشارة إلى بداية شعور الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالضيق من تلك العلاقات.
قلق واشنطن ترجمته قراءات لمحللين إسرائيليين توقعوا أن يثير التقارب بين بكين وتل أبيب وحجم الاستثمارات الصينية المتزايد في إسرائيل غضب ترامب, عندما يضع مستشاروه على مكتبه تقارير حول ذلك التقارب. وتحت عنوان “إسرائيل ستضطر إلى الاختيار بين أميركا والصين”, كتب المحلل السياسي الإسرائيلي ديفيد روزنبرج في “هآرتس” مؤخرا, مقالا قال فيه إن “إسرائيل قد تبلغ الصين أنها مجبرة على خفض مستوى علاقاتها معها بسبب الضغوط الأميركية”. روزنبرج أضاف: أن القلق الأميركي تصدر لقاءات بولتون مع مسؤولين إسرائيليين, ومن الواضح أن “إدارة ترامب لن تخوض حربا تجارية مع الصين, وتترك في الوقت نفسه حليفا مهما لها مثل إسرائيل, يبرم معها صفقات تجارية”. تتركز بواعث القلق الأميركية, حسب بولتون, على الدور الصيني في إنشاء وتشغيل ميناء حيفا الجديد, ومخاطر استخدامه للتجسس على سفن البحرية الأميركية التي تزور إسرائيل. بولتون عبر أيضا عن قلقه من إمكانية تجسس الصين على متصلين يستخدمون وسائل اتصال من إنتاج شركات صينية خاصة كـ”هواوي” مثلا. لذا, لم يعد القلق الأميركي خلف ستار, إذ كتب عاموس هارئيل, في تحليل في “هآرتس”: إن المعارضة الأميركية لإسرائيل باتت واضحة, وربما تقيد حرية إسرائيل. ونقلا عن مسؤولين إسرائيليين, قال هارئيل في تقرير آخر: إن مسؤولين أميركيين عبروا عن غضبهم الشديد من تغلغل الصين في السوق الإسرائيلية. ونسب إلى الإسرائيليين قولهم إن “الأميركيين انفجروا غاضبين في وجوهنا” وقالوا إن الولايات المتحدة لن تقبل أن تكون صديقة لدولة تبني الصين لها موانئها”.
ومع خروج القلق الأميركي إلى العلن, وبداية تحوله إلى غضب من تعزيز العلاقات الإسرائيلية الصينية, تواجه تل أبيب ضغوطا أميركية ستحدد مستقبل تلك العلاقات. فالتدخل الأميركي كان وهو وسيكون حاضرا وبقوة عند تخطي العلاقات الإٍسرائيلية مع الصين حدودا معينة. إن التخوف الأميركي ينصب استراتيجيا وسياسيا وجيوسياسيا حول إمكانية استفادة الصين من التكنولوجيا الإسرائيلية المتقدمة, خصوصا أن جزءا من تلك التكنولوجيا مصدره هو دول غربية, منها الولايات المتحدة. من هذا المنطلق, فإن التعاون بين إسرائيل والصين ربما تكون له تبعات خطيرة على العلاقات الأميركية الإسرائيلية, لما في ذلك من تأثير على توازن القوى في منطقة شرق آسيا, خصوصا في ظل استفادة الجيش الصيني من تحسين قدراته العسكرية على حساب حلفاء الولايات المتحدة في الجوار الصيني. وتصاعدت المخاوف الأميركية بعد تهديدات بكين مؤخرا بشن عمل عسكري ضد تايوان (تعتبرها جزءا من الصين), التي وسعت علاقاتها السياسية والاقتصادية مع دول العالم, ولا سيما الغرب.‎
جملة القول, إن إسرائيل ستكون مجبرة على الانصياع للإرادة الأميركية في علاقاتها الصينية.

إلى الأعلى