الثلاثاء 23 أبريل 2019 م - ١٧ شعبان ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / عام النهايات!

عام النهايات!

أحمد مصطفى

منذ عامين أو أكثر والعالم كله يتحسب للكثير: احتمالات أزمة اقتصادية عالمية، أو احتمالات تغييرات كبرى نتيجة سياسات الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب، أو حروب داخلية جديدة في الشرق الأوسط، أو ما شابه. وتزايدت تلك الاحتمالات والتوقعات والتنبؤات بنهاية العام الماضي حتى كاد المرء يتصور أن 2019 هو “عام الحسم”! ولمن لا يذكر من الأجيال الجديدة، فقد كان شعار عام الحسم هذا مثار تندر في مصر في بداية سبعينيات القرن الماضي. فبعد هزيمة العرب على يد إسرائيل في 1967 واحتلال الصهاينة أراضي ثلاث دول عربية غير فلسطين كان العرب كلهم يتطلعون لخوض حرب لرد الاعتبار على الأقل. وصادف أن تولى الرئيس المصري الراحل أنور السادات الحكم في مصر بعد وفاة جمال عبد الناصر وأعلن العام عام الحسم، مر عام 1971 و1972 بلا حرب فصار الناس يتندرون حتى شن العرب حرب أكتوبر 1973 وحققوا نصرا على إسرائيل.
ولأن مصطلح “عام الحسم” أصبح ممجوجا، فلنستبدله إذًا بتوقع أن هذا العام هو عام النهايات ـ بغض النظر عما إذا كانت نهايات سعيدة كأغلب أفلام السينما القديمة أم نهايات تعيسة كحال الأغلبية من سكان الأرض أم نهايات مفتوحة على كل الاحتمالات. ولم يكد العام يبدأ حتى شهدنا مؤشرات النهايات، حتى قبل “نهاية” الشهر الأول منه. فقد بدأ العام والمستثمرون يسيلون ما لديهم من أسهم وأصول ويلجأون إلى الحفاظ على النقد السائل تحسبا لخطر قادم لا يعرفون ما هو ـ وتلك نهاية نحو عقد من الزمن من استمرار ارتفاع قيمة الأصول في الاقتصاد العالمي. كذلك أظهرت أرقام وبيانات الربع الرابع من العام الماضي توقف مسيرة النمو في الاقتصاد الصيني، الذي كان قاطرة التحسن في الاقتصاد العالمي منذ الأزمة المالية العالمية قبل نحو عشر سنوات. ومع بداية التباطؤ في الاقتصاد الصيني يصعب تصور أن يعاود النمو بتلك الوتيرة السريعة التي ساعدت الاقتصاد العالمي على التعافي من أزمته الأخيرة (وإن كان ذلك لا يعني بالضرورة مؤشر على أزمة جديدة عاجلة).
هذا ما عرفنا حتى الآن، أما من باب التوقعات فإن نصيب منطقتنا من “النهايات” له الأولوية ـ أو هكذا يتمنى المرء ويأمل. وربما كانت بعض المؤشرات بنهاية عام 2018 تنبئ باحتمال نهاية الحرب الداخلية في سوريا وبداية مرحلة لملمة الجراح وانطلاق إعادة الإعمار. صحيح أن تجارب كثيرة، من أفغانستان إلى العراق وغيرهما، عملتنا ألا نغرق في التفاؤل، لكن مجرد نهاية أعمال القتال هي نهاية جيدة بغض النظر عما يأتي بعد ذلك. يتركز الأمل أن يكون 2019 بداية نهاية مأساة اللاجئين السوريين في الخارج والنازحين في الداخل، وأيضا نهاية كابوس انسكاب ما جرى في سوريا على أي بلد آخر في المنطقة. ولا نريد أن نذهب أبعد من ذلك ونتوقع نهاية “الإرهاب”، رغم كل التصريحات الإنشائية عن اندحار “داعش” وتراجع الجماعات الإرهابية الأخرى. وربما يكون هذا العام أيضا نهاية مأساة اليمن، حتى ولو على طريقة ما بدت بشائره في سوريا ـ بمعنى نهاية القتال ودخول المتمردين والحكومة في عملية تسوية سياسية توقف العمليات العسكرية وتفتح باب الأمل أمام اليمنيين (في الداخل والخارج) لاستعادة بلدهم ومن ثم محاولة إعادة بنائها بمساعدة الدول الداعمة اليمن في الجوار.
أقصى ما يمكن توقعه بالنسبة لحالة كحالة ليبيا أن تكون بداية نهاية التدخل الخارجي فيها، وخصوصا من الدول الداعمة للجماعات الإرهابية والميليشيات. ورغم أن الأمل يبدو ضئيلا، مقارنة بسوريا وحتى اليمن، إلا أن الدول المتضررة من استمرار الوضع الراهن في ليبيا ـ خصوصا مصر والجزائر ـ قد تعمل في هذا العام على البدء في إنهاء ذلك الخطر عليها. صحيح لأن هناك نذر خطر في السودان، وانسكاب الوضع الليبي عليه محتمل إذا فرطت الأمور لا قدر الله، لكن ربما يكون 2019 أيضا نهاية لذلك الاحتمال في السودان. مع أن ذلك قد يبدو أقرب للتفكير بالتمني منه للواقع، والقياس على التجارب القريبة والبعيدة، إلا أن العام الحالي سيشهد بالفعل عدة نهايات لا تقتصر على سوريا واليمن. وإذا ثبت بنهاية العام أن توقعاتنا كانت متطرفة في التفاؤل، فعلى الأقل نأمل أن يساعدنا ذلك على تجاوز العام بدلا من الغرق تحت كمد استمرار تلك المآسي.
بالطبع هناك نهايات مفتوحة، بما يعني نهاية مرحلة وبداية أخرى في قضايا وأمور مستمرة من قبيل الإصلاح الاقتصادي والسياسي في بعض الدول، أو الفوضى وعدم اليقين في قضايا رئيسية في العالم أو في منطقتنا. على سبيل المثال يشهد العام نهاية الضبابية حول خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ـ أيا كانت النتيجة. كذلك نهاية لأزمات أخرى، حتى وإن ظهرت أزمات جديدة، وهنا قد تظل منطقتنا تحظى بنصيب كبير من النهايات المفتوحة أيضا هذا العام. وإلى جانب تلك القضايا الرئيسية، هناك نهايات مقدرة سلفا بحكم جداول زمنية مسبقة وبالتالي لا تخضع للتوقعات والتنبؤات. نسألكم التفاؤل والتمني الإيجابي والعمل على تحقيق تلك التوقعات ما استطاع كل منا إلى ذلك سبيلا.

إلى الأعلى