الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / اليوم يومهم وليس غدًا

اليوم يومهم وليس غدًا

علي عقلة عرسان

في كل ساعة من ساعات الليل والنهار يسقط في وطني العزيز سوريا ضحايا: “شهداء وقتلى وجرحى ومفقودون ومفجوعون بأعزّة لهم، ومحبطون منقوعون في الهم والظلمة والظلم والغم.. وعلى مدار الأيام، منذ ما يقرب من أربعة أعوام عجاف، تسيل دماء ويُدمر بنيان ويتراكم خراب فوق خراب، بينما يتوحش القتل وتكبر الأحقاد وتنمو الفتنة ويستشري الإرهاب وتتغير الأحوال لكن من سيئ إلى أسوأ..!! وفي هذا البلد العزيز سوريا لا تتوقف المعاناة عند حدود، ولا تعرف القلوبُ الطمأنينة ولا يستشعر الناس الأمن، وينتشر الرعب زوابع ويزداد عدد المشردين والمكدسين لحمًا في المهاجع، وفوق مياه البحار تطفو جثث سوريين هاربين من وطنهم إلى هول المجهول، ويلاحق الخوفُ والذل والجوع والعنف صغارًا وكبارًا في المخيمات وفي بلدان اللجوء، وتستفحل المعاناة/المحنة لتصبح أكبر من كارثة وأكثر من بيئة حاضنة للشر والفتنة.. وعلى وقع المأساة وعقابيلها تضطرب الأنفس وتضمر خيراتها وخياراتها وهي تتابع المواجهات الدامية وسياسات العقم القاتمة وأنواع المفاسد والفساد والرذائل، وذبول الآمال في ظلام الكراهية المتنامية والتآمر المستمر والخيانات الوقحة، والاستعداء على الشعب والوطن، والقتل الذي يستحر في أرض الشام، أرض الثقافة والحضارة والتسامح التاريخي والعيش الكريم، التي أصبحت على غير ما أمست..!؟ ومن أعجب الأعاجيب في بلد كان المحبة والتسامح والطيب.. أنه في كل مكان من منه موت وألم وشكوى ومقابر، ومع ذلك لا يردع هذا الوضع الأشد بؤسًا من أي بؤس.. لا يردع أحدًا من الذين يؤججون النار ويدعون إلى الفظائع من فوق المنابر؟! وتراهم، وقد تعلقوا بـ”انتصارات” قاتلة هي الخيبات الماثلة، يطالبون بالمزيد من الإفناء المتبادل وهم يتربعون على بسط تحتها جماجم ومدافن لمستقبل أجيال من الفتيان والأطفال تنهبهم الغربة ويستقطبهم الجهل وينذرون الوطن والشعب والأمة بعواصف تلو عواصف من العنف والتخلف والتخبط..؟! لقد غاصت أقدامنا في الدم والوحل، وغيّبت قيمنا في القدح والافتراء والذم، وصدئت أرواحنا في الرطوبة، ولم تعد القلوب ترى ولا البصائر تبصر..؟! لقد اتضحت الحقائق والمطالب والدروب والمخارج لكل من يريد الخير للوطن والشعب، ولكل من يعلي الحق والعدل والمصالح العليا للأمة فوق المصالح الخاصة والمطامح الضيقة، وفوق كل ما يزري بالأشخاص والأخلاق وما يقزم القامات.. الدروب الوعرة إلى الحلول يقتحمها كل ذي وعي وإرادة، يغلِّب العقل وينشد الحل، ويرتفع بنفسه وبسواه إلى مستوى المسؤولية الأخلاقية والوطنية والقومية والإنسانية .. فذاك يعرف قيمة الوقت وملاءمة الظرف ودقة التوقيت ليجترح الأفعال الكبار، ويعي جيدًا كيف تكون التضحية من أجل الوطن والشعب مفتاح مجد وخلود.. ولكن.. آهٍ كم هي مرة ولكن.. تخثر السم الناقع في الحلق وتلغي حساسية اللسان!!.. ولكن.. لا تلمع أشعة شمسُ نهار فوق مناقع دم الأبرار والأخيار والأشرار، ولا يشمخ مسار لحل سياسي ـ إنساني ناجع يجسده قرار ينطوي على حكمة ويقيم عدلًا ويثبت أمنًا وسلمًا ويوطد الاستقرار في الأنفس والديار..
الفجر بعيدٌ يا وطني والشعب تناهبه التجار
والدمع نشيد يا وطني والكفر يحاربه الكفار
سوريا الوطن أغرقها ويريد أن يغرقها أكثر فأكثر في ليل وبؤس ودم، بعض بنيها وبعض ذويها من العرب والمسلمين.. وكلما تضخم التحالف الدولي الذي يعلن أنه ضد “داعش = الإرهاب، ولا يذكر النصرة ربما لأنه سيزجها ضد الأولى مع غيرها، تلمع في فضاء سوريا الوطن والشعب سيوفُه المسلطة فوق رقاب الوطن والشعب.. إذ من تراه يخسر أكثر من أهل الدار التي تدور فيها دوائر الحرب، أي حرب، حينما تشتعل نارها ويشتد أوارها؟! إن أعداء العروبة والإسلام، أعداء المقاومة في أرض الشام، أعداء الاستقرار والأمن والسلام المستثمرين في الفوضى والعنف والإرهاب والفتن المذهبية والطائفية والعرقية، أعداء السوريين حاكمين ومحكومين “ثائرين؟! ومعارضين؟! وسلطويين؟! ومتسلطين؟! و.. إلخ، إلا من كان ذا وضع خاص لديهم.” .. إن أولئك يقولون بملء الصوت: إنهم سيضربون “داعش” في كل مكان، وسوف يستهدفونها في سوريا من دون تنسيق من أي نوع مع الدولة التي يعدون نظامها عدوًا.. وهم يعلنون أنهم يهيئون ويدربون ويسلحون من أبناء المنطقة من يحارب “داعش” ويسقط النظام في سوريا.. ومعظم أولئك من السوريين الذين يقاتلون الجيش العربي السوري ليسقطوا النظام ويقاتلهم الجيش العربي السوري دحرًا لتآمر على سوريا هم جزء منه .. ويضاف إلى الجميع من يجندهم التحالف من أبناء العشائر.. فمن تراه يكون حطب النار، ومن الذين ستلتهم النار غير سوريين أولًا وعرب ومسلمين ثانيًا، أيًا كان شططهم أو اعتدالهم؟! ومن تراه سيقع بين نار “داعش” ونار الاستعمار الذي يلوح به رأس التحالف، أو هو ما يستنتج من تلويحه به عبر تصريحاته.. أليس سوريا بأبنائها؟! أليس السوري المعثر الفقير حامل الغبء والنير؟! عدا من يكون رأس حربة للتحالف وواجهة له ومن يحالفه الحظ وتمكنه ظروفه وإمكانياته و.. و.. من النجاة بجلده، ليناضل ضد الاستعمار وأذناب الاستعمار من وراء الصحارى والبحار؟! لا بد من القضاء على الإرهاب نعم ونعم ونعم.. ولا بد من وضع حد للتكفير والتجارة باسم الدين ولتشويه الإسلام والقيم.. ولكن لا بد أن يتم ذلك من دون انتقائية، ومن دون خلط للأوراق، ومن دون معايير مزدوجة ينتهجها الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركية، الدولة التي تمارس إرهاب الدولة وتحمي كيان الإرهاب الصهيوني “إسرائيل”، وتستثمر في الإرهاب والخراب والفوضى المدمرة.
سيتدخل التحالف ضد الإرهاب “داعش والنصرة” في سوريا كما أعلن أوباما باسم التحالف، وستعد سوريا هذا عدوانًا صريحًا وتعديًا على السيادة وكل ذلك يخالف القانون الدولي؟! وقد أعلن الاتحاد الروسي تخوفه الصريح من ذلك وسماه ـ إذا ما حصل ـ عدوانًا وخروجًا على القانون الدولي .. وإذا كان لا بد من ذلك فليكن بالتنسيق مع سوريا وعبر قرار من مجلس الأمن الدولي كما قال لافروف.. ولكن ماذا نفعل حين يقوم التحالف بقيادة أوباما بالتدخل العملي في سوريا وضد النظام وداعش بذريعة محاربة الإرهاب، وسمينا ذلك نحن والروس وإيران والصين ودول أخرى عدوانًا صريحًا فهل سيتوقف الوحش الأميركي عن نهش لحمنا والعدوان علينا؟! هل يحترم القانون الدولي؟ هل سيخشى حربًا مع روسيا؟ أقول لا.. سنضرب ونصرخ.. والدرس الذي حدث في العراق 2003 وفي ليبيا 2011 وغير ذلك من دروس العدوان الأميركي ـ الصهيوني ـ الغربي شاهد على ذلك. سنُضرب ونصرخ، وسيكون دور الأمم المتحدة عبر المبعوث الدولي ديمستورا منحصرًا في: “خلي الأمور بما فيها الفشل.. مستورا؟!”
لقد دعت سوريا إلى التنسيق معها في الحرب على الإرهاب ورحبت بالتعاون قبل استعداء الدولي في هذا المجال تنفيذًا لقرار مجلس الأمن، كما أن الأطراف السورية المعارضة والمسلحة رحبت بالتدخل ضد “داعش” على الأرض السورية.. ترى ألا نجر الدب إلى كرمنا، ونشعل النار في أجسادنا؟! سواء أكانت النار نار “داعش” أم نار الحلف الذي يريد القضاء عليها ويخيرنا بينها وبين الاستعمار، بينما كنا نحاربها وكان يدعمها أو يغض الطرف عنها؟! ليس لنا خيار في موضوع التعاون ضد الإرهاب الذي يقتلنا مع من يريد أن يحارب الإرهاب بجدية ومنطقية ومن دون ازدواجية.. ولم يكن هناك سوري أمين مؤمن صادق الانتماء لأمته والولاء لوطنه سوريا، الوطن الثاني لكل إنسان يتمتع بالحضارة ويملك الحس الحضاري الذي كانت سوريا أول من قدمه للبشرية، ويعي تاريخ الاستعمار والصهيونية والولايات المتحدة الأميركية، يقبل بالتدخل الخارجي في شؤون سوريا ولا بالاستعداء عليها، مع تأكيده على أهمية التغيير والإصلاح وضرورتهما و.. و.. لكن أليس بإمكاننا اليوم، وما تبقى من سوريا الشعب والوطن والسيادة في مرمى النار، أن نفتح نوافذ على خيارات وطنية وقومية وإنسانية أخرى تقربنا بعضنا من بعض وتجنبنا الحرب في دارنا، وتخرج الإرهاب منها بأية وسيلة.. وهو الذي له مسارب لجوء أو فرار أو مناورة تبعده عنا، بوصفه عابرًا للحدود؟! إن مسؤوليتنا نحن السوريين اليوم عما تبقى من الوطن والشعب أكبر بكثير من كل الأشخاص والسلطات والطوائف والمذاهب والأعراق، وأعلى من الأحقاد والثارات والعنتريات.. إنها مسؤولية أخلاقية ـ تاريخية ـ إنسانية وقومية عن المصير والمستقبل والتاريخ والهوية، ومسؤولية عما تمثله سوريا للعروبة والإسلام، وعما ستكون عليه أحوال وأوضاع أجيال من السوريين في المستقبل يقعون إما تحت الاستعمار والتبعية وإما يصبحون وقودًا لنار الجهل والفتنة والجاهلية.. أليس الساسة من كل المستويات وفي كل المواقع والأزمان هم “أمناء” على الشعب والوطن والمستقبل وعلى الأجيال والقيم والأهداف والثوابت القيمية والوطنية والقومية.. إنهم لكذلك، أو ينبغي أن يكونوا كذلك.. واليوم يومهم وليس غدًا، اليوم يومهم ليكونوا يدًا تصافح يدًا وتدفع ردى، وتعمل من أجل دع الدمار والخراب والإرهاب والاستعمار عن الوطن والشعب، ولتشرع أبواب العودة أمام المشردين وأبواب المستقبل أمام شعب تحمل أكثر ممن يطيق، ودفع فوق ما يحتمل.

إلى الأعلى