الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / حين ينكأ الفلسطيني جرحه!

حين ينكأ الفلسطيني جرحه!

الجرح الفلسطيني عميق وغائر ومزمن، وهو إذ لا يتوقف نزفًا لما قارب قرنًا نكبويًّا مريرًا، فإن جبهة ناكئيه متعددة وواسعة، كما تظل أطرافها المجتهدة والمتعاضدة في إدامة نكئه وإطالة نزفه. هذه الجبهة معروفة، وإذا كان لا بد من الإشارة السريعة إليها، فهي، إلى جانب الغزاة الصهاينة الغاصبين لفلسطين وناكبيها، صانعهم وظهيرهم وراعيهم الغرب، على اختلاف أطرافه وتلاوينه ومتواتر حقبه، والمختصر راهنًا في الولايات المتحدة الأميركية وكافة ملحقاتها الكونية، بما فيها كافة أشكال ودرجات امتدادات هذا الغرب في كل من شقي ذيليته العربية، الرسمية التابعة والنخبوية المستلبة، كما لا حاجة للقول بأن لهذه الجبهة أيضًا ما يردفها ويرفدها موضوعيًّا، وهو وبيل العجز العربي المديد، ودائم اللامبالاة الدولية المتواطئة.
لكن ما قد يكون الأشد إيلامًا والموجع أكثر للفلسطينيين، وخصوصًا في هذه الأيام التي لم تبرد فيها بعد جراحهم في غزة، والتي لا تكاد تخرج بعد من تحت ركامها المدمَّر، هو توفُّر الناكئ الفلسطيني للجرح الفلسطيني! مبرر استذكارنا لهذا هو ما يعم من راهن إحساس شعبي عام بالمرارة لدى قطاعات واسعة من الفلسطينيين، جوهره أن كل ما واجهه هذا الشعب الاستشهادي المضحي من ويلات في آخر المحارق المدارة ضده، أو آخر حلقات مسلسل الحروب الإبادية المستمرة عليه، قد تهون إيلامًا ووجعًا عنده مقارنةً بما يلحقه به بائس هذا التراشق الإعلامي المعيب واللامسؤول والآخذ في التصاعد هذه الأيام بين رام الله وغزة، والذي أقل ما يمكن القول فيه هو إنه قد أنغص على هذا الشعب اعتداده بصموده الأسطوري واستبشاره بمنجزات دمه المقاوم الإعجازية المنتصرة بإفشالها لكافة استهدافات هذه الحرب العدوانية الوحشية وإجبارها لعجلة دورانها الطاحنة المنفلتة على التوقف ولو إلى حين، كما أن من شأنه أن وجَّه طعناته المحبطة للآمال الواثقة باقتراب نهاية الحصار، والتي كانت قد تعززت بما بدا من وحدة الحد الأدنى على مطالب الحد الأدنى لدى الوفد الفلسطيني المشترك في مفاوضات القاهرة، ناهيك عن ما يلحقه مثل هذا التراشق من أذى بأحلامه التحريرية التي انتعشت إثر تحقيقه ما قدم من أجله أبهظ الأثمان وبذل من أجله أجل التضحيات.
نعم، إنه إلى جانب صغائر المماحكات الفصائلية وبائس حساباتها الفئوية الضيقة المعتادة، والغياب المعروف للإجماع الوطني على برنامج الحد الأدنى لإداره الصراع، إلى جانب محاولة البعض الجمع بين نقيضين هما السلطة في ظل الاحتلال ومقاومته في آن، هناك أيضًا من الأسباب الموضوعية ما لا يمكن تجاهله أو القفز عنه، ومنه استحالة التقاء ما يفترض أنهما تياران نقيضان، واحدهما مساوم أحرق سفنه وذهب بعيدًا بحيث لا من قدرة ولا من رغبة لديه للعودة عما هو فيه، والآخر يرفع شعار المقاومة ويمارسها، لكن، وعلى الرغم من هذا، فليس هناك من مبرر لمثل هذا التراشق الإعلامي البغيض الذي أقل ما يقال فيه إنه لا يليق، بل ومشين، أن يأتي، وبهذه السرعة، عقب ما عرفته هذه الساحة من جليل كل هذه المآثر والبطولات الأسطورية التي خصتها به فرادة ملحمة غزة النضالية الإعجازية… وحتى لا نزيد من نكء الجرح، وإذ لا نرغب في الخوض أكثر في تفاصيل مجها الفلسطينيون وكرهوها، نكتفي بالتوقف أمام مقولتين رددهما الأوسلويون بالذات عندما بدأوا في افتتاح بازار المماحكات ناكئة الجراح مؤخرًا، وهما، “الشرعية”، وما وصفوه بـ”قرار السلم والحرب”… ولنأخذهما بالتتالي:
كنا نظن، ويبدو الآن ما يثبت خطأ ظننا، أنه لم يعد هناك في الساحة الفلسطينية من يجرؤ على المحاججة بالشرعية واللا شرعية، بمفهومها الدارج أو المتعارف عليه… لماذا؟! ذلك لأن هذه الساحة تاريخيًّا لم تعرف إلا شرعية واحدة هي شرعية الثورة، والتي تمثلت في حينه في منظمة التحرير، لكونها كانت آنذاك منجزًا وإطارًا نضاليًّا جامعًا، لكن شرعيتها هذه انتهكت وصودرت عندما تم العبث الأوسلوي بميثاقها الوطني، إلى جانب أن الدهر قد أكل وشرب على مجلسها الوطني المعين، والذي منذ عقود أحالته الأوسلوية بمن بقي من أعضائه حيًّا يرزق إلى التقاعد بعد أن تهالك وتهالكوا دونما تجديد مع السنين، واكتفت بالاحتفاظ بجدث المنظمة كشاهد زور، أو للبصم على ما قد تتوصل إليه من تسويات تصفوية للقضية مع العدو. أما مجلس تشريعي أوسلوستان نفسها، على لا شرعيته أصلًا، باعتباره منتجًا لمسار تنازلي غير شرعي بمجمله وتحت احتلال، فحتى لو تجاوزنا هذا، فهو لا يمثل كل الشعب الفلسطيني وطنًا وشتاتًا بل جزء منه قد لا يتجاوز ثلثه، ثم إنه وضع بدوره أيضًا على الرف، إلى جانب كونه قد انتهى أيضًا بالتقادم، واستطرادًا، فرئيس السلطة بلا سلطة وتحت احتلال، والذي وحده يجمع في يديه كل هذه “الشرعيات”، قد انتهت ولايته منذ زمن ونسي الأمر، ومن الطريف أنه لم يجد من يذكِّره بهذا سوى ليبرمان، ليس حرصًا على الشرعية الفلسطينية طبعًا، وإنما في سياق جاري المناكفات الصهيونية الداخلية المستعرة بعد فشل استهدافات الحرب على غزة، حين عيَّره، قبل أيام، بـ”أنه لا شرعية له، وهو ليس مفوَّضًا بالتوقيع على أي اتفاق باسم الفلسطينيين، لأن ولايته انتهت”!
…والآن وإذ لم يتبق في الساحة الفلسطينية إلا شرعية واحدة كفلتها لها كافة الشرائع السماوية والأرضية وكل القوانين والمواثيق والأعراف الكونية، ألا وهي شرعية المقاومة، أوليس لهذه وحدها، وفي وطن محتل من نهره إلى بحره، حق ما يدعى بقرار الحرب والسلم، أو هذا الذي لا يعني فلسطينيا سوى حق المقاومة… المقاومة حتى التحرير والعودة؟؟!!

عبداللطيف مهنا كاتب فلسطيني

إلى الأعلى