السبت 27 مايو 2017 م - ٣٠ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / جدار وأشياء أخرى ، لـ “مازن المعمري”

جدار وأشياء أخرى ، لـ “مازن المعمري”

بين زخم مهول من الفرح ومثله للألم في أعمال الفنانين التشكيليين نقف هذه المرة لنتحدث أمام جدار الفنان مازن المعمري الذي ساقه لنا في لقطة فنية متوشحة بالرموز والألوان، فالجدار في أصله وفلسفته له معان متنوعة ومتباينة غير أن مجمل الاسقاطات تأتي بين المنع والانغلاق والفصل والعزل أكثر من القبول والانفتاح ، فمنذ أن انفصل الإنسان عن الطبيعة بعد أن ارتفع مستوى حراكه الذهني وتبلورت معه أدواته الفكرية ، أقام أول جدار بينه وبين عالمه القديم بعد فترة كان فيها لصيقاً بالطبيعة يستمد منها جميع معارفه وخبرات حياته ولكنه في حقيقة الأمر عزل نفسه وأضحى يسوس الحياة وما فيها بأسلوبه المبتكر وأظهر الحقب الماضية عدد من الزعماء والسياسيين وحتى على مستوى الأفراد ممن استخدم فكرة الجدار في تطبيق جملة من المبادئ التي يؤمنون بها فمنهم من أنشأ جدران العزل الفكري والآخر أقام جدران عزل الحريات وبعضهم أنشأ جدران العزل الفيزيائي الذي يقولون فيه انه اذا استعصى علي إلغاؤك بدنياً سأستخدم جدار الفصل الفيزيائي بيني وبينك لا أراك ولا تراني فلا تذكرني رؤيتك بأن لك وجوداً مشروعاً بمعزل عني ، ومثل هذه الجردان لا تفرزها إلا نفوس مريضة ترى في الصحة مرضاً وفي المرض صحة .
عموماً يسعى مازن من خلال عمله الفني للإشارة إلى حقيقة عكسية لعمله فهو يشير إلى أن الأنسان ككل ما في الوجود لا يحيا ويتحرك إلا من خلال علاقاته مع الآخرين ــ ومثلها ببقع اللون الوضاءه على سطح الجدار ــ لذا فإن كل من يسعى واعياً أم غير واع إلى قطع صلاته وعزل نفسه بأي أسلوب كان عمن حوله ــ ومثلها بالمستطيل المنفصل يمين أسفل العمل ــ فإنه بذلك يحكم على نفسه عاجلاً أم آجلاً بالذبول النفسي وبالموت الروحي إذ أن وضعه ذاك أشبه ما يكون بالمزروع الغريب الذي لا توافق نسيجي بينه وبين البيئة التي يحيا فيها والتي ستؤول في يوم ما إلى لفظه وتهميشه، وعلى سبيل المثال فلنتخيل حال ساكن في بيت في أحد الأحياء، قام بطرد سكان الحي، واحتلَّ مكانهم، وأصرَّ على تحويط البيت الذي احتلَّه بالفخاخ والألغام وكلاب الحراسة ، كيف يستطيع هذا المرء بعدئذٍ أن يحيا حياة طبيعية مع جيرانه؟!
وهناك الكثير من الأمثلة في التاريخ تؤكد فشل فكرة الجدار ومن أمثلة ذلك سور الصين العظيم فهو برهان ساطع على إخفاق كل محاولة لشعب معين تطويق نفسه، وبقاءه معزولاً عن الشعوب الأخرى، فاليوم ثمة أجزاء عديدة منه مهددة بالانهيار لأن سكان القرى المتاخمة له يستفيدون منه كمقلع، فيستعملون حجارته في بناء بيوتهم أو ترميمها. إذاً إنها الحياة التي لا تلبث أن تنتصر وتأبى إلا أن تفرض نفسها على كل أشكال العزل والفصل والحدود. فالذين ينظِّرون لضرورة بناء الجدار أفراداً أم حكومات بغض النظر عن شرعيته فإنهم بذلك ينتهكون قانونًا أساسيًّا من قوانين الوجود نفسه، فهم يدمِّرون بأيديهم آخر أمل لهم بأن يصيروا جزءًا طبيعيا من هذه الحياة، ويطفئون بصيصًا ضئيلاً من ضوء يتيح لهم بمرور الوقت، أن يعودوا كائنات بشرية سوية، تنمو وتتفتح من خلال التفاعل؛ بينما لا يرسِّخ هذا الجدار إلا منطقًا زائفاً من فهم منحرف عن الجادة لا يرى في الآخرين إلا مجرد آلات تسيرها عقول سوداء تحظَّر كل تعامل معهم حفاظًا على طهارة الذات على حد زعمهم.

عبدالكريم الميمني
al-maimani@hotmail.com

إلى الأعلى