الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / الرواية الفلسطينية .. حوارات نقدية لـ “وحيد تاجا”

الرواية الفلسطينية .. حوارات نقدية لـ “وحيد تاجا”

يلبي حاجة ضرورية، وبكفاءة
في كتاب وحيد تاجا “الرواية الفلسطينية ..حوارات نقدية”، وهو الأول من نوعه في مجاله، صدر عن دار الجندي للنشر والتوزيع ـ القدس ، وعدد صفحاته 510 ، ويلبي حاجة ضرورية متعددة الأبعاد: فهو عمل توثيقي يمر على أكثر من عشرين كاتباً فلسطينياً، يحاورهم، ويعرّف بأعمالهم، ويقارن بينهم، بشكل صريح أو مضمر، ويربط بين كتاباتهم المتنوعة و “المأساة الفلسطينية”، التي أنتجها تاريخ لا عدل فيه، وتقاوم هذا التاريخ، منذ أكثر من ستين عاماً، بأدوات عادلة، وإن كان العدل، في المنتهى الأخير، كلمة محدودة الحروف تحتكم إلى ميزان القوى.
هذا الكتاب، ، يسدّ فراغاً واسعاً لا سبيل إلى إغفاله وتجاوزه. فقد بقيت الرواية الفلسطينية مشدودة إلى حقبة محددة، تنوس بين الستينيات ونهاية الثمانينيات، وإلى أسماء قليلة لامعة ـ غسان كنفاني، وجبرا إبراهيم، جبرا، وإميل حبيبي،ويأتي كتاب تاجا لينفتح على مساحة زمنية أكثر اتساعاً، وعلى أسماء عديدة متفاوتة القيمة والمنظور، تتأمل ما كانته فلسطين وما ستكونه، مستولدة الأمل من مواقع فعليّة، أو من أخرى يجاورها الوهم أو أشياء منه.
والأسماء جميعاً تدور، إلزامياً، في ثنايا القضية الفلسطينية، التي قد تتعرّف بالكفاح المشروع واستبداد القوة، قبل أن تتعرّف بمنتوج القضية ورموزها القديمة والجديدة. ولهذا تعالج روايات الفلسطينيين بؤس المكان، الذي أسبغت عليه اللغة صفة: المخيم، حيث ضيق المكان لا يسمح بالأحكام الواسعة، وتتوقف أمام تجارب السجون الباهظة، حيث على الفلسطيني الحالم بالحرية، أن يقيد إلى مكان ضيّق شديد الحراسة، وأن يحتفظ بقوة الحلم التي تستقدم مستقبلاً متعدد الألوان.
وهناك الرموز التي تحيل على فلسطين وتحتضنها الرواية الفلسطينية كإشارات وطنية وفضاء جمالي في آن، أكان ذلك في قصص محمود شقير المتميزة أم في “مدينة الله”، التي كتبها حسن حميد بحرارة نادرة، حيث القدس مكان مقدس وموقع وطني وهوية ثقافية، تاريخية حدّث عنها جبرا إبراهيم جبرا في رواياته المتعددة، والتربة الحمراء المكسوة بالزيتون وأشجار البرتقال.
وواقع الأمر أن لكل أديب فلسطيني رمزه الخاص به، مواقع الطفولة وظلال ثورة 1936 وَ1939 وأهازيج القرى والفلاحين، وذلك العشق لمدينة الصِّبا والشباب الذي يؤججه البعد عما كنا ورحل. فبعد أن أسطر جبرا مدينة القدس، رفع أنيس صايغ في سيرته الذاتية مدينة طبريا إلى حيّز الجمال المطلق، وعاد شفيق الحوت إلى يافا في سيرة ذاتية قوامها أخلاق التذكّر. ومع أن في أعمال الروائيين الفلسطينيين ما يستعيد أطياف مواقع مختلفة، فإن أعمالهم جميعاً تحذف المسافة بين الذاتي والوطني، وتتوسل اللغة لتجسّر مسافة لا يمكن تجسيرها، ذلك أن الموصوف الفلسطيني مزيج من معرفة متوارثة وذكريات متبعثرة، يحاول القلم تحويلها إلى حكاية واحدة، لها زمن مضى وزمن قادم محتمل.
والواضح في الجهد الواسع الذي بذله وحيد تاجا ماثل في :التعدد، أو في أصوات متعددة، تجمع بين أدباء فلسطينيين تناثروا داخل فلسطين وخارجها، وتوزّعوا على تجارب متنوعة يخترقها المنفى، سواءٌ أكان الفلسطيني قد قذف به إلى خارج أرضه، أم بقي في وطن مصادر تحاصره الأسلحة الإسرائيلية،…. لكل فلسطيني “مخيم” لم يتوقعه، يعطيه بعض الملاذ ويسرق منه تاريخه، ويدفعه إلى كلام مرّ المذاق يبرهن فيه أن له تاريخاً كالآخرين، وأنه كان ذات مرة في مكانٍ يسمح له بالأحلام.
ساءل وحيد تاجا، باجتهاد جدير بالإعجاب، أصواتاً روائية فلسطينية، متعددة في أجيالها، وفي ثقافتها، وفي منظورها، منتهياً إلى لوحة متكاملة، يعثر فيها القارئ على ما يريد قوله الأدب الفلسطيني، وعلى تقنيات القول، ويقع على حوار واسع بين الأعمال الأدبية المختلفة، حوار كثيف الأبعاد يحتاجه كل باحث مشغول بالكتابة الفلسطينية، ويحتاجه أكثر كل الباحثين المشغولين بثنائية : اليأس والأمل.
يشكّل هذا الكتاب، في تكامل أسئلته وأجوبته، مرآة لعلاقات الأبوة، والنبوة، في الميدان الأدبي، حيث لكل أديب فلسطيني أديب فلسطيني آخر ينتسب إليه، ويستعير منه بعض الفكر والتجربة، سبقه في محاولة الكتابة والأمل. ومثلما أن لكل كاتب سابق أبناء يمتد فيهم، فإن “أبناء الكتابة السابقة” يتناسلون اليوم في أبناء قادمين.
في عمل وحيد تاجا ما يضيء موضوعين أساسيين لا تمكن معالجة الأدب الفلسطيني من دونهما: السلسلة الأدبية التي أوجدت هذا الأدب، الممتد من سميرة عزام إلى محمود شقير، ومن حنا أبو حنا إلى حسن حميد، والتي تشكّل في أزمنتها المختلفة “كتاب الأدب الفلسطيني”، الذي يحتضن الحزن والمقاومة والحرائق والآمال، وتلك المآسي المتمادية المنتهية إلى نصوص متوالدة، ذلك أن الوقائع السعيدة، وهي بعيدة عن المسار الفلسطيني، تحتاج إلى نص واحد، أو نصوص محدودة متناظرة.
وفي هذا الكتاب، وهنا الموضوع الثاني، ما يقترب من : أدب المضطهدين، ذلك الأدب المقيّد، الذي يجبر المضطهد على كتابة وجوه اضطهاده بأشكال مختلفة، دون أنْ، يهجس، إلا صدفة، بقضايا الإنسان السعيد”، الذي لم يختلس أرضه وحقوقه أحد. وفي ثنايا أدب المضطهدين يتلامح، لزوماً، الأمل الذي يحتاجه هؤلاء الذين فقدوا الأمل ذات مرة.
وهو كتاب يفيد المعرفة الأدبية، ويفيد الباحثين عن دلالة الوطن، والمنفى، والسجن، والمخيم، والكفاح المستمر، وهو كتاب عن الذاكرة الفلسطينية في شكلها الأدبي ، إنه كتاب جدير بالاحتفاء والقراءة.

د. فيصل دراج
مفكر وناقد فلسطيني.

إلى الأعلى