الأحد 23 يوليو 2017 م - ٢٨ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / نافذة لغوية (135) : مراتب الحُبّ عند العرب

نافذة لغوية (135) : مراتب الحُبّ عند العرب

من المعلوم أن الشيء إذا كان عند العرب عظيماً وخطره جسيماً كالهِزَبْر والرمح والخمر والسيف والداهية والمحبّة المحرقة وضعوا له أسماء كثيرة ، وكانت عنايتهم لها شهيرة . ولاشيء يعدل اعتناءهم بالحبّ ، فقد كان العربي القديم يجد في الحبّ العزاء والسلوان . يعوِّض به من قسوة الحياة في البوادي ، وعناء الكَرِّ والفَرِّ والتِّرحال ، لذا كان يفتتح أشعاره بالحبّ ، وبالحبّ يحدو الرُّكْبان ، ولولاه ما احلولى لهم مجلس سمر، ولا طاب حديث المسافات … ومن هنا لهجوا به ، وشغلوا بألفاظه ومراتبه فصنفوها وأفاضوا في الحديث عنها ، وكأنهم يقرؤون ما يعتلج في كل نفس ، وما يختلج في كل قلب ، قالوا من ذلك إن أول مراتب الحبّ: الهوى : وهو ميل النفس ، وقد يُطلق ويُراد به نفس المحبوب ، يقول مجنون ليلى :
إنَّ التي زَعَمَتْ فـؤادَكَ مَـلَّـهَا خُلِقَتْ هَوَاكَ كما خُلِقْتَ هوىً لَهَا
ثم العَلاقة : وهي الحبّ اللازم للقلب ، و سميت عَلاقة لتعلّق القلب بالمحبوب ، ومن ذلك قول قيس بن ذريح :
ولقد أردتُ الصبرَ عنكِ فعاقَنـي عَلَقٌ بقلبـي مِنْ هَـوَاكِ قـديمُ
ثم الكَلَف : وهو شدة الحبّ الذي يدلّ على إيلاع المحبّ بحبيبه وتعلّقه ، وأصله من الكُلْفَة وهي المشقَّة ، وقيل هو مأخوذ من الأثر وهو شيء يعلو الوجه . ومنه يقولون: لا يكن حبُّكَ كَلَفاً ولا بُغضُك تَلَفاً .
ثم العِشْق : وهو اسم لما فضُل عن المقدار الذي اسمه الحبّ ، وهو فرط الحبّ وتجاوز حدّ المحبة ، يقول ابن سيده في المحكم ( والعِشْق: عجبُ المحبّ بالمحبوب. والعَشَقَة: شجرة تخضرّ وتصفرّ ، عن الزجاجي ، وزعم أن اشتقاق العاشق من ذلك ) أي مآل حاله إلى الذبول. وقد عرّف أرسطوطاليس العِشق بقوله: هو عمى الحِسّ عن إدراك عيوب المحبوب.
ثم الشَّغَف : وهو إحراق الحبّ القلب أو إصابته شغاف القلب أي غلافه مع لذة يجدها المحبّ في ذلك .
ثم اللَّوعة : وهي وجع القلب من الحبّ والحزن ، وقيل: هي حرقة الحزن والهوى والوحدة ، والتاع فؤاده من الحبّ أي احترق ، ولوعة الحبّ: حرقته .
ثم اللاعِج : وهو حرارة في القلب من الحبّ ، ولعجه الأمر: اشتدّ عليه ، واللاعج هو الهوى المحرق ، قال إلياس بن سهم الهزلي:
تَـرَكَـتْـكَ من عَلاقتهِنَّ تَشْكُو بِهـِـنَّ من الجَـوى لَعَجاً رَصِينا
ثم الجوى : وهو الهوى الباطن ، أو هو الحرقة وشدة الوجد .
ثم التّيم : وهو أن يستعبده الحب ومنه سمي تَيْم الله ، أي عبدالله ، ومنه أيضاً رجل متيّم ، أي ذلَّله الحبّ واستعبده ، قال كعب بن زهير:
بانت سعادُ فقلبـي اليـومَ مَتْبُولُ مُتَيَّـمٌ إثْـرَها لمْ يُفْـدَ مَكْبُـولُ
وقيل المتيّم : المضلّل ومنه قيل للفلاة تيماء ؛ لأنه يضلّ فيها ، وأرض تيماء : مضلّة مهلكة لا ماء فيها.
ثم التَّبْل : وهو أن يسقمه الهوى ، ومنه رجل متبول ، وقيل هو غلبة الحب على القلب.
ثم التَّدليه : وهو ذهاب العقل من الهوى ، ومنه رجل مُدَلَّه إذا بقي متحيّراً ذاهب العقل من الحبّ.
ثم الهُيُوم : وهو أن يذهب المحبّ على وجهه لغلبة الهوى عليه ، ومنه رجل هائم .
ومن ذلك الوَلَه : وهو ذهاب العقل والتحيّر من شدّة الوجد ، والوَجْد أقصى درجات الحبّ. قال ذو الرمة في الهُيُوم والوَجْد :
فيـا مَنْ لقلـب مُسْتهامٍ كـأنَّـه من الـوَجْد شَكَّتْهُ صدورُ النَّيازِكِ
ومن ذلك الصَّبَابَة : أي رقّة الشيء وحرارته ، ورجل صَبّ إذا غلبه الهوى ، قال أبو هلال العسكري:
وأَزْدَادُ في جُنحِ الظـلامِ صَبـابـةً ولا صَعْبَ إلا وهو بالليل أصعـبُ
ومنها البُرَحَاء : أي شدّة الوَجْد من الحبّ ، والتبريح مثله ، وتباريح الشوق: توهّجه ، قال ذو الرمة :
أنيـناً وشكـوى بالنهـار كثيرة عليّ وما يـأتي به الليـلُ أَبْـرَحُ
والودّ ـ بضم الواو وفتحها وكسرها ـ المودّة ، والوَدود : المحبّ ، ورجال وُدَدَاء، بوزن فقهاء، ويستوي فيه المذكر والمؤنث لكونه وصفاً داخلاً على وصف للمبالغة.

د.أحمد بن عبدالرحمن بالخير
استاذ الدراسات اللغوية بكلية العلوم التطبيقية بصلالة
balkher1971@yahoo.com

إلى الأعلى